خبير اقتصادي يقترح حلولا لعبور آمن بموريتانيا من أزمة الغذاء(مقال)

أربعاء, 04/06/2022 - 02:03
سيد أحمد ولد ابوه - خبير اقتصادي

تهدف هذه الورقة إلى إثراء النقاش حول المخاطر الاقتصادية والاجتماعية التي تتهدد موريتانيا بفعل ما ينتج حاليا من آثار للحرب الدائرة في شرق أوربا على الأسواق العالمية. وسألقي في الفصل الأول نظرة تحليلية على بيانات التجارة الخارجية الموريتانية، وسيتناول الفصل الثاني الآثار على الإمدادت ووضعية المخزونات، في حين يستعرض الفصل الثالث أبرز التحديات، ليخلص الفصل الرابع والأخير إلى جملة مقترحات تكون خلاصة للورقة.

 

الفصل الأول: بيانات التجارة الخارجية الموريتانية:

يتسم الميزان التجاري الموريتاني بعجز بنيوي بحيث بلغت حسب البنك المركزي نسبة تغطية الواردات من السلع دون الخدمات لسنة 2020 بعائدات الصادرات من السلع دون الخدمات حوالي 90%، ولكن هذا العجز يتزايد حين نأخذ في الحسبان التبادلات من الخدمات التجارية، وقد استوردت موريتانيا من السلع والخدمات سنة 2021 حسب بيانات مركز التجارة العالمي التابع لمنظمة التجارة العالمية ولمؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والتجارة ما قيمته 3,8 مليار دولار، مثلت منها المواد الغذائية والبترولية نسبة 52%، في حين صدّرت موريتانيا من السلع والخدمات التجارية ما قيمته 3,2 مليار دولار، أي بنسبة تغطية للواردات تقدر بـ84%، ولهذا العجز أثر مباشر على عجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات، وهو ما ينعكس على مستوى الاحتياطات من العملة الصعبة للبلد، والتي تقدر بحدود 1,7 مليار دولار أي ما يغطي ستة أشهر من الواردات من السلع والخدمات، ولكن هذا المعطى تنسفه اليوم حمى الأسواق والصعود الصاروخي لأسعار المواد الاستهلاكية في السوق العالمي، ذلك أن حاجياتنا الشهرية التي كانت تغطيها 300 مليون دولار لم يعد بالإمكان تلبيتها إلا بـ500 مليون دولار، وما يزال الوضع الدولي آخذا في التأزم.

 

سيتناول الفصل القادم وضعية المخزونات في بلادنا والآثار المحتملة للحرب الدائرة حاليا بين بلدين يستأثران لوحدهما بـ30% من الصادرات العالمية لمادة القمح، و60% من زيوت الطهي، و25% من الشعير، و52% من الأسمدة الزراعية.

 

يذكر أن بنية معاملاتنا الخارجية لم يطرأ عليها تغيير في العام الماضي فما زالت الصين هي أكبر زبون لنا باستقبالها 39% من صادراتنا (أساسا من الحديد)، وما زال الاتحاد الأوربي هو أكبر مورد لنا باستيرادنا منه 37% من وارداتنا (أساسا البترول ومشتقاته)، وظلت الإمارات العربية المتحدة هي ثاني مورد باستيرادنا منها 14% من وارداتنا.

 

الفصل الثاني: وضعية المخزونات الموريتانية وآثار الحرب على الإمدادات:

خلال سنة 2021 استوردت موريتانيا من عدة موردين من بينهم روسيا وأوكرانيا ما قيمته 250 مليون دولار من الحبوب (أساسا القمح والأرز)، و180 مليون دولار من زيوت الطهي، و160 مليون دولار من السكر، و112 مليون دولار من الفواكه والخضروات، و90 مليون دولار من الحليب والحليب المجفف، و50 مليون دولار من الأسمدة، و25 مليون دولار من الشاي، إضافة طبعا إلى مليار دولار من البترول ومشتقاته.

 

لقد أسهم القرار الموفق في أكتوبر 2021 بإنشاء "مركزية الشراء وتموين السوق" في الاعتناء بالمخزون الاستراتيجي للبلاد من المواد الاستهلاكية الأساسية، كما مكن تصنيف هذه المواد من طرف الحكومة كسلع استراتيجية السلطات من اتخاذ إجراءات رقابية، ولو أنها ما تزال تتسم بالمحدودية، لمكافحة الاحتكار والمضاربة في الأسعار، ولكن مجال تدخل "مركزية الشراء وتموين السوق" يقتصر - لحد الآن - على رفد البرامج الاجتماعية للحكومة بالمواد والسلع الأساسية، وهي البرامج التي تتولى مندوبية تآزر شقها المتعلق بالمواد المدعومة في حوانيت "التموين"، وتتولى مفوضية الأمن الغذائي شقها المتعلق بالتوزيع، وتتولى وزارة التنمية الحيوانية شقها المتعلق بعلف الحيوان، وتتولى وزارة الزراعة شقها المتعلق بالأسمدة والمدخلات الزراعية، ويظل الجزء المهم من تموين السوق من مسؤولية القطاع الخاص، وهو أمر طبيعي وينبغي أن يتعزز بعيدا عن التغول والتوافقات الاحتكارية المضرة بالقدرة الشرائية للمواطن، والتي كانت سمة طاغية على سلوك بعض كبار الموردين من رجال أعمالنا.

 

تتوفر البلاد حاليا على مخزونات تغطي أربعة أشهر من القمح اللين بعد استلام شحنة من 78 ألف طن قبل شهر، وترقب استلام 25 ألف طن قبل نهاية مارس الجاري، وخمسة أشهر من السكر، وشهرين من زيوت الطهي، كما استلمت البلاد 35 ألف طن من الأسمدة من مُورد سعودي. طبعا تمكنت موريتانيا من تنويع مصادر التموين واتجهت إلى أمريكا اللاتينية بدل الشرق ما مكنها من اقتناء القمح من الأرجنتين، والسكر من البرازيل واغواتيمالا، وما زال الزيت يقتنى من ماليزيا وأندونيسيا، والشاي من الصين، ولكن خيار تنويع مصادر التموين هذا يطرح إشكالا سيتم تناوله في الجزء الثالث المخصص للتحديات.

 

لقد أدت الحرب القائمة في أوكرانيا إلى ضغوط تضخمية حادة في أسواق المواد الاستهلاكية، ذلك أنه لأول مرة تتلقى الأسواق العالمية وفي نفس الوقت صدمات في المواد الغدائية والنفط والغاز وسلاسل الإمداد، وقد ظهر ذلك جليا في تطور سعر القمح الذي صعد من 296 دولارا للطن في منتصف فبراير 2022 قبيل الحرب إلى 481 دولارا للطن في منتصف مارس 2022، وكذا سعر السكر الأبيض الذي صعد من 500 دولار للطن إلى 658 دولارا في نفس الفترة، ولم يكن النفط استثناء فقد صعد سعر البرميل من 81 دولارا قبيل الحرب إلى 130 دولارا منتصف مارس المنصرم، قبل أن يستقر في حدود 119 دولارا منذ أكثر من أسبوع. إن المتتبع لعمليات الشراء الموريتاني من السوق الدولي يلحظ زيادات معتبرة لسعر الطلبيات الموقعة في نهاية ديسمبر 2021 عن مستويات الأسعار في السوق العالمي خلال نفس الفترة، وهي زيادة تراوحت بين 100 إلى 150 دولار في الطن لمادتي القمح والسكر، وهذا عائد بتقديري لعاملين:

- أولهما أن شروط التزود في الصفقات المذكورة كانت وفق "استلام نواكشوط CIF rendu Nouakchott وهو ما يضيف كلفة النقل،

 

- وثانيهما؛ وهو الأهم، يتعلق بغياب المنافسة لانعقاد الصفقات وفق صيغة التراضي، وهو ما ينبغي تجنبه مستقبلا، وإن كان للاستعجال وقتها مبرراته، ولكن لا شيء يمنعنا من إعلان مناقصات لطلبيات بتسليم سنة مقبلة، فآليات السوق تسمح، والأسعار وفق آلية العقود الآجلة أخفض منها وفق آلية العقود الآنية، إنها في النهاية أموال عامة ومن حقنا أن نطمئن على حسن تسييرها.

 

لقد أدت الحرب لحد الآن بحكم الحساسية المفرطة للأسواق وانكماش العرض إثر عجز مئات السفن التجارية المشحونة بالسلع من مغادرة موانئ البحر الأسود، وهستيريا الطلبيات الضخمة للعديد من الدول التي بدأت تكدس مخزونات هائلة تحسبا لطارئ غير مطمئن إلى اضطرابات جسيمة في سلاسل الإمداد العالمية وضغوط تضخمية عالية، ويعكف حاليا خبراء صندوق النقد الدولي أسبوعين قبل اجتماعات الربيع للنقد الدولي والبنك العالمي على مراجعة توقعات النمو العالمي لسنة 2022، وكل المؤشرات تدل على أن النمو العالمي سيخسر نقطة كاملة ليستقر في حدود 3,3% بدل 4,4% المتوقعة سابقا حسب تحديثات يناير 2022، وهذا أثر هائل في حجمه لن تسلم من تداعياته المباشرة وغير المباشرة بلدان إفريقيا جنوب الصحراء بما فيها موريتانيا، وهو ما يستدعي من أهل القرار بالبلد التفكير في حلول مبتكرة قد يكون الشق المالي منها موضوع ورقة منفصلة.

 

 الفصل الثالث: التحديات

باستثناء مادتي اللحوم الحمراء والسمك اللتين تتوفر موريتانيا على اكتفاء ذاتي تام منهما، والأرز الذي تؤمن الزراعة المحلية؜ 55% من حاجيات البلد منه، وبواكير تجربة نرجوها واعدة في زراعة الخضروات، فإن كل السلع الأخرى الحاضرة بقوة في النظام الغذائي للموريتانيين تُستورد بالكامل من السوق الدولي سواء تعلق الأمر بالقمح وزيت الطهي والسكر والحليب المجفف ونسبة معتبرة من الخضروات والفواكه، وكل المدخلات الزراعية، وأعلاف الحيوان، وهذا ما يزيد من انكشاف البلاد أمام الآثار السلبية للصعود الكبير في سعر البترول والاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية لتوريد المواد الغذائية بفعل تأثيرات الحرب الروسية على أوكرانيا، وهو ما يفرض تحديات جمة نستعرضها فيما يلي:

أولا: استنزاف احتياطات البلاد من النقد الأجنبي: أشرت سابقا إلى أن عدد شهور الواردات التي تغطيها الاحتياطات الرسمية من العملة الصعبة هي معطى نسبي، ويفقد معناه حين تضرب الأزمات الأسواق العالمية للمواد الغذائية أو للبترول، كما هو حاصل في ظل الحرب الحالية، ذلك أن ما كنا نصرفه شهريا (حدود 300مليون دولار) لتغطية وارداتنا قبل الحرب ارتفع بـ80% بفعل الأسعار الجديدة وتبقى الزيادة مرشحة لمزيد من التصاعد مع استمرار الحرب وهو ما سيؤدي إلى استنزاف حاد لاحتياطات البلاد الخارجية، وما لذلك من أثرٍ ضار على قيمة الأوقية الموريتانية وبالتالي على القدرة الشرائية للموريتانيين، وأيضا على القدرة على توفير الاعتمادات الضرورية للموردين.

 

ثانيا: خنق المالية العامة: لم تعد المخصصات المالية المرصودة في ميزانية 2022 لتمويل سياسة الدعم التي تعتمدها السلطات لبعض المواد الأساسية كافية، وسيتم استنزافها بفعل الزيادات الحادة في أسعار المواد المدعومة (البترول، الغاز، المواد الاستهلاكية ضمن برامج الحكومة الاجتماعية). كما أن فرضيات الأساس في الاقتصاد الكلي لميزانية 2022 قد عبثت بها ظروف الحرب وما نتج عنها في الأسواق العالمية، ذلك أننا لن نحقق معدل النمو 4,2% المنشود هذا العام، ولن نتمكن من إبقاء التضخم في مستوى 3,5%، وطبعا لن يظل عجز الميزانية المتوقع عند مستوى 4,95%.

 

ثالثا: الضغوط على التداين: سيتعين على وزارة المالية مراجعة نيتها تغطية العجز في ميزانية 2022 والمقدر مبدئيا بـ135 مليار أوقية قديمة عبر سيولة الخزينة بالبنك المركزي في حدود 82% إذ لن تكون هناك بفعل الوضع الجديد سيولة كافية، كما أن العجز سيرتفع كثيرا عن هذا المستوى، وبالتالي فإما أن يتم اللجوء إلى التداين الداخلي عبر سندات الخزينة وهو حل قد لا يوفر اللازم، وإن وفره فبكلفة عالية وبأثر سيء على قدرة المصارف على تمويل الاقتصاد ينضاف لهذا إكراهات التداين الخارجي في ظل صعوبة الولوج لشبابيك القروض الميسرة بسبب تجاوز حصة الفرد من الناتج الداخلي الخام في البلاد سقف المسموح به للولوج لهذه الشبابيك، وغياب رؤية واضحة لدى الفريق الاقتصادي للحكومة للتسريع بإدخال البلاد للسوق المالية الدولية، كما أن تجربة كوفيد أظهرت محدودية ما يسمى "بالسخاء الدولي" والذي لم يتجسد إلا في مبادرة خجولة بتأجيل سداد أقساط الدين الحالة في 2020 - 2021.

 

رابعا: اضطراب التموين المنتظم للأسواق

من سوء حظ العالم، وموريتانيا جزء منه، أن توقيت اندلاع حرب روسيا على أوكرانيا صادف موجة صعود كبير لأسعار المواد الغذائية طوال الشهور الأربعة السابقة للحرب، وحين اندلعت الحرب تضاعفت وتيرة الزيادات في الأسعار، وهو ما أدى إلى ما يشبه هستيريا في الطلبيات الضخمة على المواد الغذائية ما ولّد وضعية غير مسبوقة في ديناميكية العرض والطلب إذ نقص الأول (بفعل وقف صادرات روسيا وأوكرانيا بسبب حصار روسيا لموانئ أوكرانيا وحصار الغرب على سفن روسيا) وزاد الثاني (بفعل حمى الطلبيات الهائلة)، وكانت النتيجة ما نعيشه حاليا مع بداية رمضان. كمثال لهذه الهستيريا فقد أكدت تركيا وهي بلد منتج للقمح خلال الأسبوع الماضي لوحده طلبيات بمليون طن من القمح من الأرجنتين وكندا. إن حمى الشراءات والتكديس للمواد الغدائية من طرف بلدان متقدمة لن تترك للبلدان النامية هامشا للتحرك، وبالتالي فإن توجهنا للأرجنتين هو لفترة قد تكون محدودة جدا.

 

خامسا: التهريب عبر المسالك الحدودية غير المضبوطة:

سيطرح مشكل رقابة الحدود تحديا حقيقيا علينا ألا نتساهل بشأنه، فحدودنا مع السنغال ومالي لا ينبغي أن تشكل خطرا على أمننا الغذائي في فترات الأزمات. من المفارقة أن يظهر في بيانات مركز التجارة العالمي أن موريتانيا التي لا تنتج غراما واحدا من الأسمدة قد صدرت خلال سنة 2021 ما قيمته 2,5 مليون دولار من الأسمدة إلى السنغال. إنها أسمدة مدعومة من الأموال العمومية هربها أفراد لتحقيق ربح على حساب المجموعة الوطنية وأمنها الغذائي.

 

سادسا: تسيير الثروة الوطنية: قد لا تكون الأجهزة الحكومية المختصة جاهزة لمنع تصدير الماشية أو للحد من تصدير الأسماك السطحية ولمنع توجيهها لمصانع دقيق وزيت السمك خلال فترة الأزمة هذه.

 

سابعا: استمرار الغموض في تأمين تزويد البلاد من المواد البترولية

تثير وضعية عقد المحروقات حالة من عدم الاطمئنان على سلاسة واستمرار تزويد البلاد بالمحروقات إثر تعقيدات شهدتها صفقة تموين السوق الموريتاني بهذه المادة وهي الصفقة التي أُلغيت مرتين خلال الشهور الثلاثة الأخيرة وقد بدأت السحب من مخزونها الاستراتيجي وهو ما يعني مزيدا من الضغوط على هذه السلعة الحساسة.

 

ثامنا: الهزات الاجتماعية: تتنبأ جل المؤسسات الدولية في تقييمها لآثار أزمة الغذاء الحالية بظهور هزات وقلاقل اجتماعية مقبلة في العديد من البلدان النامية بسبب الجوع، وعلينا أن نكون جد حذرين وفعالين في مواجهة شح المواد الغذائية قبل أن نجد أنفسنا وبلدنا في مواجهة ما قد ينتج عنها من تبعات اجتماعية.

 

الفصل الرابع: مقترحات حلول لمواجهة الأزمة

يهتم هذا الفصل الأخير من الورقة بتقديم مقترحات لحلول بعضها قد لا يحتمل التأجيل، وذلك لضمان عبور آمن بالبلاد من أزمة الغذاء الحالية التي ضاعفتها في الأسواق العالمية الحرب على أوكرانيا. وفيما يلي عشر مقترحات لمواجهة الأزمة:

 

أولا: الزراعة والصيد والتنمية الحيوانية: ينتظر من السلطات توظيف عامل الوقت والتقدير السليم لما ينبغي اعتماده لتجنيب الموريتانيين أزمة غذاء حادة وذلك بالتركيز على ما يلي بالنسبة لهذا القطاع:

- إلغاء ملكية كل الأراضي الزراعية بشماما والتي لم يتم استغلالها خلال الموسم الماضي وتجريم الادعاءات الاقطاعية للملكية غير المؤسسة ومنح الأراضي لمن هم على استعداد لاستغلالها مع تكفل الدولة بدعم المدخلات الزراعية وتوفير الإرشاد والتأطير والمساعدة لاحقا في تسويق المحاصيل،

 

- منع تزويد مصانع دقيق وزيت السمك بالأسماك السطحية واعتماد حصة لا ينبغي تجاوزها في تصدير الأسماك خلال الشهور الستة القادمة مع مراعاة الالتزامات التعاقدية ومراجعتها إن لزم الأمر وأيضا التسريع بتفعيل وتطوير خطوط تمويل للشباب في هذا القطاع،

 

- توفير الأعلاف بأسعار مدعومة وبكميات كافية لمواجهة آثار شح الأمطار خلال السنة الماضية، ومنع تصدير الماشية لبلدان الجوار لمدة ستة أشهر، ودعم الصحة الحيوانية.

 

ثانيا: دعم الاستقلالية المالية لمركزية الشراء وتموين السوق وتمكينها من حساب خارجي يضمن لها الاستقلالية في القيام بعملياتها دون اللجوء إلى وسطاء هم غالبا مصدر العبث بقوت الموريتانيين. ذلك أنه يبدو أن تأخيرا بيروقراطيا على مستوى البنك المركزي خلال الأسابيع الماضية قد أدى إلى تأجيل إصدار رسالة الاعتماد لشحنة من 25 ألف طن من القمح إلى أن اندلعت الحرب في أوكرانيا وصعدت الأسعار، ولأن الشحنة ما زالت وقتها تحت يد المورد الأصلي، فقد اشترط هذا الأخير إضافة 50 دولار لكل طن، وهو ما كلف موريتانيا 1,3 مليون دولار إضافي، ينبغي أيضا بناء خزانات للحبوب بسعة عالية وبتوزيع عادل حسب جهات البلاد إذ لا معنى لأن تستجدي الدولة خواصا لتخزين الحبوب عندهم بسبب نقص وحدات التخزين وما لذلك من مخاطر لا تخفى على أحد.

 

ثالثا: المراجعة العاجلة لتخصيص الاعتمادات في ميزانية 2022 وللمراجعة آليتين تشريعية وترتيبية، ولأن البرلمان ليس في حالة انعقاد حاليا فيمكن اعتماد الآلية الترتيبية بإصدار مرسوم سلفة في أقرب مجلس وزراء على أن يعرض لاحقا على البرلمان في أول جلسة، ويهدف هذا المقترح إلى أخذ الأمور الطارئة في الحسبان وإعادة تخصيص بعض الاعتمادات لمواجهة الظرف الطارئ ومن تلك الإجراءات ما يتعلق بإلغاء مبلغ 57 مليار أوقية قديمة زيدت به ميزانية التسيير لعام 2022 مقارنة بنفس الميزانية في قانون المالية لسنة 2021 وإعادة توجيهه لإجراءات الدعم كما ينبغي مراجعة مسار تنفيذ ميزانية الاستثمار واقتطاع مخصصات من المشاريع غير الفعالة من حيث مسار التنفيذ.

 

رابعا: الولوج السريع للسوق المالية الدولية: حان الوقت أمام تعذر الولوج لشبابيك التمويل الميسر للأسباب الواردة في الفصل الثالث لكي يأخذ الفريق الاقتصادي للحكومة مبادرة تقييم الدين السيادي للبلاد من طرف إحدى وكالات التقييم العالمية الثلاث الشهيرة (موديز وافيتش واس اند بي) ومن شأن إجراء كهذا أن يمكننا من التمول عبر إحدى آليتين : التعبئة المباشرة للأموال من عند المؤسسات المالية الدولية المؤسسية أو الخاصة بالنسبة للدولة أو لشركاتها العمومية (اسنيم، صوملك، سوماغاز، والموانئ بعد مراجعة حوكمتها) أو الاقتراض عبر طرح سندات رقاعية في السوق العالمي يتم تداولها ويمكن أن تغطي ثلاث فئات: سندات حالة الأجل لسنتين، أو لخمس سنوات أو لعشر سنوات. بعد أسبوعين سيتوجه الفريق الاقتصادي للحكومة إلى واشنطن للمشاركة في اجتماعات الربيع للنقد الدولي والبنك العالمي ومن المستحسن أن يستثمر هذا الوفد فرصة وجوده هناك للتواصل مع هذه الوكالات أو مع إحداها. يأخذ مسار التقييم لأول مرة منذ إصدار رسالة التكليف والقيام باللقاءات الفنية مع الحكومة والقطاع الخاص الوطني والأجنبي والمؤسسات الدولية إلى غاية صدور النتيجة حوالي ثلاثة أشهر، وطبعا لن تكون هذه النتيجة إلا مرآة لواقعنا وستعيننا على استهداف مواطن الخلل قصد إصلاحها وتحسين تقييمنا الموالي.

 

خامسا : دعم القدرة الشرائية عبر وقف النزيف الناتج عن ارتفاع الأسعار، وقد يتم هذا الدعم عبر تكثيف الإعانات المالية للأكثر هشاشة من عائلاتنا، ومنح زيادة صافية استثنائية للموظفين ولمدة ثلاثة أشهر، وتشجيع القطاع الخاص على اعتماد نفس الإجراء لفائدة عماله.

 

سادسا: مراجعة معدل الفائدة التوجيهي عبر دراسة إمكانية خفضه ب150 نقطة كأساس لتسهيل الولوج إلى التمويل.

 

سابعا: ضبط الحدود البرية لضمان منع إعادة تصدير السلع المدعومة خارج الوطن، وهذه مهمة لا يمكن للجمارك وحدها القيام بها، بل ينبغي دعمها من طرف أجهزة أخرى من أجهزة الدولة الأمنية، وهنا ينبغي ألا يقود هذا الإجراء إلى عرقلة مواصلة مرور واردات دولة مالي عبر أراضينا، ففي ذلك فائدة لموانئنا، وفيه مصلحة أكيدة لبلدنا في عدم الانخراط في تجويع شعب هذا البلد الشقيق، ولكن ينتظر أيضا من الجمارك الموريتانية دور أكبر في ضمان عدم خلط واردات مالي بسلع موريتانية مدعومة قد يسعى البعض مدفوعا بالجشع لإعادة تصديرها لهذا البلد.

 

ثامنا: مراجعة الإطار العام لتزويد البلاد بالمحروقات وذلك وفقا لما ضمنتُه في مقال سابق حول صفقة آداكس اينرجي والبحث سريعا عن شريك أجنبي يتمتع بالأهلية والمصداقية والسعة المالية لإعادة تأهيل وتشغيل مصفاة نواذيبو والاستثمار في إعادة تأهيل ودعم مستودعات التخزين في نواكشوط ونواذيبو وإعادة النظر في الخطة المعلن عنها قبل أسابيع بخصوص إصلاح سوماغاز، ذلك أن القطاع الخاص الموريتاني ليس جاهزا بعد لفهم دوره في تنمية البلاد، والاضطلاع به كما ينبغي، ورغم ذلك فقناعتي أن الدولة لا خيار لها إلا بمواصلة جهود تأطير ودعم القطاع الخاص عساه يصحو من غفوة طال أمدها، فلا يمكن أن نتصور تنمية بدون دور فاعل للقطاع الخاص.

 

تاسعا: التحرك العاجل لموريتانيا ضمن وسطها الإفريقي (الاتحاد الافريقي)، والغرب إفريقي (ليت الساحل كان جاهزا ولكن الأزمات السياسية والأمنية تنخر جسمه)، لتنسيق طرح مبادرة خلال اجتماعات الربيع للنقد الدولي والبنك العالمي، والتي تحضرها أيضا وكالات الأمم المتحدة المتخصصة كمنظمة الأغذية والزراعة والصندوق العالمي للتنمية الزراعية وبرنامج الغذاء العالمي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية. نعم يمكن لموريتانيا أن تتخذ المبادرة وبإمكان رئيس الجمهورية ومن حق شعبه وإقليمه عليه أن يسوق مبادرة يسميها " الغذاء لإفريقيا Food for Africa" وهي مبادرة يمكن أن توفر المال الضروري لتوريد الأغذية للبلدان الإفريقية المحتاجة، وفق آلية تجمع بين البعد المجاني وبعد تقاسم التكاليف، بما يضمن تحييد آثار الأزمة على موازنات البلدان، ومواصلة الجهود في تحقيق أهداف التنمية المستدامة المهمة جدا والمعتمدة من طرف وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والبلدان في جميع أنحاء العالم. لا معنى لأن تظل إفريقيا دائما في انتظار من يقوم بمبادرة في الغرب باسمها، وأمام موريتانيا فرصة يمكن أن تضطلع بها، ولم لا يرأس فخامة رئيس الجمهورية وفدنا إلى هذه الاجتماعات لإطلاق هذه المبادرة، وطبعا سيتوقف ذلك على جهد ديبلوماسي موريتاني كبير وعاجل في التنسيق مع الاتحاد الافريقي (السنغال ترأسه حاليا ) وغرب إفريقيا والاتحاد الاوربي والأمانة العامة للأمم المتحدة والأشقاء العرب، والحيلولة دون أن يتحدث باسم إفريقيا من ليس منها. موريتانيا هي القوة الأبرز في منطقة الساحل وهذه المنطقة هي الأكثر هشاشة في العالم بسبب عدة عوامل كان آخرها شح التساقطات المطرية خلال الخريف المنصرم.

 

عاشراً: النظر في إمكانية طرح جزء من احتياطات البنك المركزي من الذهب في السوق العالمي لدعم احتياطات البلاد من النقد الأجنبي، وهذه العملية محفوفة بالمخاطر وبالتالي ينبغي تعويض ما قد يتم بيعه حال انقشاع الأزمة.

 

الخلاصة:

لا تتوقف آثار الحرب الدائرة حاليا على أسواق الغذاء في الأمد القصير فحسب، بل إن البلدين المتحاربين كانا يوفران نصف حاجيات الزراعة العالمية من الأسمدة، وبالتالي إن استمرت هذه الحرب أو طال أمدها فلن يكون إنتاج الزراعة العالمية بعد ثمانية شهور إلا نصف إنتاجها قبل الحرب منقوصا منه إنتاج أوكرانيا وجزء من إنتاج روسيا، وهو ما يعني أن العالم مقبل لا محالة على فترة شح في مصادر الغذاء. وحدهم الأذكياء من بإمكانهم تحويل الأزمات ومطباتها إلى فرص ومكاسب، ويظل ذلك رهينا بالقدرة على اتخاذ المبادرة والقراءة السليمة لواقع يتعقد كل يوم بفعل عوامل السياسة والنفوذ على الصعيد العالمي.