فورين أفيرز: العقد الخطير.. العالم يمر بمرحلة مفصلية في تاريخه

خميس, 09/08/2022 - 09:50
صواريخ روسية فرط صوتية

حذر دبلوماسي وباحث أميركي بارز من أن العالم يمر اليوم بواحدة من مراحله المفصلية الخطيرة في تاريخه. وأوضح ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية (مركز أبحاث يُعنى بالسياسة الخارجية الأميركية والشؤون الدولية) أن هذا الخطر يعود إلى التدهور الحاد الذي يشهده النظام العالمي الوقت الراهن.

وأضاف -في مقال بمجلة "فورين أفيرز" (Foreign Affairs) الأميركية- أن تلك الحالة تنذر بتراجع أكثر حدة بسبب التقاء جملة من التهديدات القديمة والجديدة التي بدأت تتقاطع في ظل وجود الولايات المتحدة في وضع سيئ لا يسمح لها بالتصدي لتلك التهديدات، مضيفا أن العالم يشهد عودة بعض "أسوأ مظاهر الجغرافيا السياسية" التي تتجلى في تنافس القوى العظمى، والطموحات الاستعمارية، والصراعات حول الموارد.

وقال هاس -الذي شغل في السابق منصب مدير تخطيط السياسات في الخارجية الأميركية- إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتوق إلى صنع مجال نفوذ لبلاده من جديد، وربما حتى إمبراطورية روسية. وفي غضون ذلك، باشرت الصين تحت قيادة الرئيس شي جين بينغ السعي وراء هيمنة إقليمية -وربما عالمية- لتضع نفسها في مسار يفضي إلى مزيد من التنافس أو حتى المواجهة مع الولايات المتحدة.

"لكن هذا ليس كل شيء بأي حال من الأحوال" كما يقول هاس. فتلك المخاطر الجيوسياسية تصطدم في تقديره بتحديات معقدة جديدة، تعد عنصرا محوريا في العصر الحديث، من قبيل تغير المناخ، وتفشي الأوبئة، وانتشار الأسلحة النووية.

ولا عجب أن التداعيات الدبلوماسية الناجمة عن الخصومات المتزايدة جعلت من شبه المستحيل على القوى العظمى العمل معا لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية، حتى لو كان ذلك في مصلحتها. ومما يزيد الصورة تعقيدا -حسب المقال- أن ديمقراطية الولايات المتحدة وتجانسها السياسي معرضان للخطر بدرجة لم تشهدها منذ منتصف القرن الـ 19.

وأشار إلى أن أميركا "الممزقة داخليا" لن تكون مستعدة أو قادرة على تولي القيادة على المسرح الدولي، مضيفا أن هذه الظروف ولًّدت "حلقة مفرغة" ذلك أن حدة التنافس الجيوسياسي تجعل من العسير بمكان تحقيق التعاون الذي تتطلبه المشكلات العالمية الجديدة. كما أن البيئة الدولية المتدهورة تذكي أوار التوترات الجيوسياسية، كل ذلك في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة "ضعيفة وتائهة".

إن الفجوة "المخيفة" بين التحديات الدولية وردود الفعل العالمية، وتزايد احتمالات نشوب حروب بين القوى الكبرى في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادي، وتعاظم قدرات إيران على زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، كلها عوامل اجتمعت -بنظر الكاتب- لتسفر عن أشد اللحظات خطورة منذ الحرب العالمية الثانية.

الفوضى تزداد حدة

يقول الكاتب إن التحالف الذي نشأ إبان حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1990) بقيادة الولايات المتحدة، وضم دولا عديدة أبرزها روسيا والصين، أظهر أن استخدام القوة لتغيير الحدود الدولية عنصر أساسي في النظام العالمي. غير أن شيئا من هذا القبيل لا يمكن أن يحدث اليوم، ولعل أبرز مثال على ذلك الأزمة الأوكرانية التي انحازت فيها الصين إلى جانب روسيا، في حين رفض العديد من الدول الالتزام بالعقوبات التي فرضتها واشنطن على موسكو.

ومن وجهة نظر الكاتب، فإن الحربين (الخليج الأولى وأوكرانيا) تُعدان بمثابة شواهد على انتهاء حقبة الحرب الباردة، أو ما يُعرف بالسلام الأميركي. فقد كانت هيمنة القوة الأميركية في طريقها إلى الاضمحلال، ليس بسبب تدهورها، بل بسبب ما أطلق عليها الكاتب الأميركي فريد زكريا "صعود البقية"-أي تطور الدول والكيانات الأخرى اقتصاديا وعسكريا، وبروز عالم من سماته انتشار القوة على نطاق أوسع.

وفي ضوء ما تقدم يمكن القول إن الولايات المتحدة -بما فعلته وما لم تفعله بالخارج والداخل- أهدرت الكثير من إرثها في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وأخفقت في ترجمة تفوقها إلى نظام "راسخ". ويتجلى على نحو خاص عندما يتعلق الأمر بروسيا. ففي السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي مباشرة، بدا من غير المرجح -بعد 3 عقود- في ظل التعارض بين القوة الأميركية "الهائلة" وضعف روسيا "المذهل" أن يهيمن العداء بين الكرملين والعواصم الغربية على القضايا الدولية.

وهاجم الكاتب بشدة الرئيس الروسي، متهما إياه بعدم احترام حدود الدول الأخرى وسيادتها، واستخدامه القوة الغاشمة ضد السكان المدنيين في أوروبا والشرق الأوسط. وبعد كل ما قيل من أن روسيا ستخرج من حربها مع أوكرانيا -التي تنذر بطول أمدها- أضعف مما كانت، حسب زعم الكاتب الأميركي الذي يستطرد قائلا إن روسيا يمكن أن تكون أي شيء عدا كونها دولة عظمى وذلك على عكس ما كان عليه الاتحاد السوفياتي.

ويصف روسيا بأنها تمثل "مشكلة حادة" على المدى القريب للولايات المتحدة، وعلى النقيض تشكل الصين تحديا أشد خطورة على المديين المتوسط والبعيد.

ويؤكد أن الرهان على أن دمج الصين في الاقتصاد العالمي سيجعلها أكثر انفتاحا على الصعيد السياسي، وأكثر توجهاً نحو السوق، وأكثر اعتدالا في سياستها الخارجية، ولكنه لم يؤت ثماره بل أدى إلى نتائج عكسية.

وعلى الرغم تزايد قوتها العسكرية التقليدية والنووية بشكل لافت، فإن الصين ظلت مع ذلك تعاني من نقاط ضعف داخلية كبيرة. وبعد عقود من الازدهار، بدأ اقتصادها الآن في التعثر مما أدى إلى تقويض مصدر رئيس من المصادر التي يستمد منها النظام شرعيته.

وفي سياق انتقاده للنظام بالصين، يشكك الكاتب في قدرة الحزب الشيوعي هناك على استعادة النمو الاقتصادي القوي، بالنظر إلى القيود السياسية في البلاد التي تعيق الابتكار، والحقائق الديموغرافية التي تتمثل في قلة الأيدي العاملة. ومن ناحية أخرى، أدت السياسة الخارجية العدوانية للصين لنفور العديد من جيرانها منها.

ومن المؤكد تقريبا -طبقا لمقال فورين أفيرز- أن الصين ستواجه انتقالا صعبا في القيادة خلال العقد المقبل. ومثل بوتين، ظل الرئيس شي يعمل على إحكام قبضته على مقاليد السلطة بطرق من شأنها أن تؤدي إلى تعقيد أي محاولة لخلافته وإلى صراع على الحكم.

ومن الصعب التكهن بالنتيجة، ذلك لأن أي صراع داخلي قد يفضي إلى تراجع ​​النشاط الدولي أو ظهور قادة أكثر اعتدالا، ولكنه قد يسفر كذلك عن سياسات خارجية أكثر قومية بغرض حشد الدعم أو صرف انتباه الشعب.

وينتقل الكاتب إلى تناول الشأن الأميركي، حيث يرى أن التغيرات الأكثر إثارة للقلق هي تلك التي تحدث حاليا داخل البلاد نفسها.

ويردف قائلا إن الدولة الأميركية ما تزال تحتفظ بمكامن قوتها العديدة، إلا أن بعض مزاياها المتمثلة في سيادة حكم القانون، الانتقال المنظم للسلطة، القدرة على استقطاب المهاجرين الموهوبين، تحوم حولها الآن الشكوك أكثر من أي وقت مضى. ثم إن مشاكل كالعنف المسلح، والجريمة في المناطق الحضرية، وتعاطي المخدرات، والهجرة غير الشرعية باتت أكثر وضوحا.

ونتيجة لذلك، أصبح النموذج السياسي الأميركي أقل جاذبية، وساهم تراجع الديمقراطية في الولايات المتحدة بدوره في تراجعها في أماكن أخرى.

ومما زاد الطين بلة أن سوء إدارة الاقتصاد الأميركي أدى إلى الأزمة المالية العالمية لعام 2008، كما سمحت العثرات الأخيرة بارتفاع معدلات التضخم مما أضر بسمعة البلاد.

ويخلص المقال إلى أن الجهود المبذولة لبناء نظام دولي جديد -سواء كانت لغرض مقاومة العدوان ومنع الانتشار النووي أو مكافحة تغير المناخ والأمراض المعدية- تحظى بدعم واسع النطاق من الدول غير الديمقراطية.

ولعل نظاما دوليا قائما على أساس احترام الحدود والجهود المشتركة لمواجهة التحديات العالمية مفضل على نظام دولي ليبرالي لا يستند إلى أي من هذين المبدأين.