باحث موريتاني: للانقلاب في مالي تداعيات كبيرة على دول الساحل

ثلاثاء, 06/01/2021 - 21:56
للانقلاب في مالي تداعيات كبيرة على دول الساحل

يعتبر باحث موريتاني، أن الانقلاب الأخير في مالي ستكون له تداعيات كبيرة على دول مجموعة الساحل الإفريقي، خصوصا أنه يأتي بعد الأحداث التي عرفتها تشاد.

جاء ذلك في مقابلة أجرتها الأناضول، مع أحمد ولد محمد المصطفى، الباحث المتخصص في شؤون دول الساحل الإفريقي.

ويقول ولد محمد المصطفى، إن الأحداث في مالي وتشاد ستؤثر بشكل كبير على أجندات مجموعة دول الساحل الخمس، كما أنه سيجعل النيجر بين فكي كماشة أمنية، ليُضاف هذا إلى التحديات التي كانت قائمة.

وفي أبريل/ نيسان الماضي، أعلن الجيش التشادي مقتل رئيس البلاد إدريس ديبي (68 عاما)، متأثرا بجروح أصيب بها خلال تفقده قواته في الشمال، حيث شن متمردون هجوما لإسقاط نظامه الحاكم منذ 1990.

ومجموعة دول الساحل "جي 5"، تجمع إقليمي للتنسيق والتعاون يضم موريتانيا وبوركينا فاسو ومالي وتشاد والنيجر، تأسس عام 2014، ويهدف إلى مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، والعمل على حشد تمويلات واستقطاب استثمار أجنبي للنهوض ببلدانه الأعضاء، وفق ما يعرّف التكتل نفسه.

ويشير ولد محمد المصطفى، إلى أن الأوضاع المتلاحقة في مالي تجعل التنسيق بين دول المجموعة أمرا مهما، من شأنه أن يمهد لاستعادة المنطقة استقرارها مستقبلا.

** تطورات غير مفاجئة

في 25 مايو/ أيار الماضي، اعتقل الجيش المالي رئيس البلاد المؤقت باه نداو، ورئيس الوزراء مختار وان، قبل إطلاق سراحهما بعد إجبارهما على الاستقالة، فيما اعتُبر انقلابا عسكريا ثانيا في غضون 9 أشهر.

ووقعت الاعتقالات، بعد إعلان تغيير في الحكومة، حيث تم استبدال عضوين من المجلس العسكري الذي استولى على السلطة من الرئيس السابق إبراهيم أبو بكر كيتا، في أغسطس/ آب الماضي.

والجمعة، أعلنت المحكمة الدستورية في مالي، تسمية الجنرال آسيمي غويتا رئيسا انتقاليا للبلاد، فيما علقت مجموعة "إيكواس" (تضم 15 دولة في غرب إفريقيا) عضوية مالي في التكتل الإقليمي على خلفية الانقلاب.

ويرى ولد محمد المصطفى، أن التطورات الأخيرة في مالي "تبدو في عمومها غير مفاجئة، فتعدد أسباب الأزمة وتعقدها، وكثرة المتدخلين فيها، وغياب أي اهتمام بالحلول الجذرية لمشكلاتها.. كلها عوامل تجعل ما وصلت إليه الأزمة طبيعيا في سياقه".

ويضيف: "نحن أمام وضع اجتماعي معقد، وظروف اقتصادية ضاغطة، وأجواء سياسية بعيدة عن الاستقرار".

ويلفت إلى أنه "إذا كانت الانقلابات العسكرية تعد من المخارج التي يُلجأ إليها أحيانا في بعض البلدان، أو تعتبر كآخر الدواء، فإن التجربة المالية منذ أغسطس الماضي تثبت أنها قد لا تكون كذلك دائما".

ويردف: "ها هي الفترة الانتقالية التي توصلت إليها الأطراف المالية بوساطة من المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، تنتكس مجددا لتعود البلاد إلى نقطة الصفر، أي نقطة انقلاب عسكري، يتولى قائده رئاسة البلاد".

ويعتبر أن "الأطراف الرئيسية في حكم المرحلة الانتقالية أدركت خطورة الأوضاع، وحجم الإحباط الشعبي، فحاول كل منها استغلال ذلك للتضحية بالآخر، وتحميله المسؤولية".

ويزيد: "في النهاية كانت الكلمة الأخيرة للعسكر وحلولهم التي تعتمد القوة، فتم اعتقال الرئيس نداو، ووزيره الأول وان، ثم أقيلوا من مناصبهم قبل أن يستقيلوا".

** خيارات محدودة

ويلفت الباحث الموريتاني إلى أن مالي اليوم "أمام خيارين: الأول أن يتم التعاطي مع الأوضاع بواقعية، ويترك قائد الانقلاب يكمل ما تبقى من الفترة الانتقالية حفاظا عليها حتى لا تنهار بشكل كلي، ويمكن العمل تكتيكيا للحصول على تنازلات منه لإشراك المدنيين بأعلى سقف ممكن، كرئاسة الحكومة مع منح الوزير الأول صلاحيات، على الأقل تنظيمية في ما يتعلق بالانتخابات المرتقبة".

"أما الخيار الآخر، فهو التعامل مع الواقع الجديد باعتباره انقلابا مكتمل الأركان، وبدء المفاوضات من نقطة الصفر، مع ما يعني ذلك من إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد بعد مسار تفاوضي قد يطول، وقد يكون من نتائجه اعتماد مرحلة انتقالية جديدة، تمدد فترة بقاء القادة العسكريين في مواقع الحكم والنفوذ".

ويتابع أن "الأوضاع في مالي مقلقة على كل صعد، إذ إن ثلثي مساحة البلاد خارج سيطرة الحكومة، ومشكلاتها الحقيقية خارج النقاش العام، والتأثير الخارجي في القرار المالي جلي وواضح، ومؤشرات حضوره مقروءة بأحرف بارزة في الخلاف الأخير".

** نفوذ الحركات المسلحة

وينبّه ولد محمد المصطفى، إلى أن التطورات في مالي ستكون لها انعكاسات بالغة الخطورة على الوضع الأمني في هذا البلد الإفريقي.

ويرجح أن تستغل الحركات المسلحة الناشطة في المنطقة الأوضاع القائمة لتوسيع نفوذها، وتعزيز حضورها، والحصول على مزيد من الأوراق ونقاط القوة.

ويقول: "إذا استعدنا الأحداث خلال السنوات الماضية، فسنجد أنه في كل مرة تسوء فيها الأوضاع في باماكو ينعكس ذلك على شمالها ووسطها بشكل مباشر".

** من يقود الوساطة؟

وبخصوص الأطراف المرشحة للعب دور الوسيط بين الفرقاء، يرى ولد محمد المصطفى، أن المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا تبدو الأكثر امتلاكا لأوراق الضغط على الساسة الماليين، وبالتالي فإنها صاحبة السبق في هذا الملف، من دون أن يعني هذا أنه لا توجد فرصة لغيرها للتدخل.

ويعرب عن اعتقاده أن "مجموعة دول الخمس بالساحل ونظرا لظروفها الحالية في وضع قد لا يكون الأنسب لتتدخل في هذا الملف، كما أن التباينات القائمة بين دولها قد تحول دون ذلك".

ويستطرد: "رأينا قبل أسابيع، كيف اتهمت تشاد النيجر بإيواء متمردين مناهضين لها، وهذا يعني أن مستوى الثقة الذي يتيح تنسيق وساطة في الملف ما زال بعيد المنال".

ويستدرك أن موريتانيا "لأسباب وعوامل كثيرة يمكنها اللعب بعدة أوراق، سواء علاقاتها على مستوى القادة الدينيين مثل زعيم الحراك الذي أطاح بكيتا الشيخ محمود ديكو، أو الشيخ محمد ولد الشيخ، أو غيرهما. وكذا علاقات قادتها العسكريين مع نظرائهم الماليين، فضلا عن التداخل الشعبي".

وينبه إلى أن المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في مالي الآن هو الدبلوماسي الموريتاني القاسم وان، وهذه ورقة أخرى يمكن لنواكشوط أن تساهم من خلالها في تقريب وجهات نظر الأطراف المالية، وأن تستخدم في ذلك أوراق نفوذها وعلاقاتها التقليدية.