الصوفية في موريتانيا ح 3: السعدية ..سفراء الإسلام والسلام في غرب إفريقيا

ثلاثاء, 02/16/2021 - 12:17

محمد سالم -ريم آفريك  يتوزع البرنامج الدائم لخليفة الحضرية السعدية الشيخ آياه بن الشيخ الطالب بويا بن الشيخ سعد بوه بين كثير من الأعمال اليومية للطريقة وبين استقبال وفود المريدين أو السفر إلى المراكز الروحية التابعة له في دول متعددة من غرب إفريقيا أهمها موريتانيا والسنغال

تولى الشيخ آياه الخلافة منذ ثلاث سنوات، وهو الخليفة الثامن للطريقة السعدية بعد وفاة مؤسسها الشيخ سعد بوه بن الشيخ محمد فاضل  1848-1917 حيث دفن في مدينته التي ستتحول لاحقا إلى واحد من أهم المزارات الروحية في موريتانيا ومنطقة غرب إفريقيا عموما

 

نبع من الفاضلية

 

تعتبر الحضرة السعدية جزء من الطريقة الأكبر وهي الفاضلية وليست الفاضلية أيضا إلا امتدادا للطريقة القادرية وهي طريقة صوفية ينتمي إليها عشرات ملايين المسلمين في أقطار متعددة من العالم الإسلاميين

 

تأسست السعدية منتصف القرن التاسع عشر في الجنوب عندما هاجر الشيخ سعد بوه من موطنه الأصلي في أٌقصى الحوض الشرقي بناء على أوامر والده الشيخ محمد فاضل، وقد استقر الشيخ سعد بوه منطقة الجنوب الموريتانية وسرعان ما توافد إليه المريدون من مختلف الأنحاء وذلك بعد كسب الرهان في مباحثات علمية وروحية بينه وبين أكابر العلماء في المنطقة

 

تميز الشيخ سعد بوه بترسيخ مبدئي السلام والتربية الروحية، حيث كان حريصا على إقامة السلام في أرض السيبة، ومن أجل ذلك تفهم دخول الفرنسيين إلى موريتانيا معتبرا أن ذلك قد يؤدي إلى السلم في المنطقة التي تشهد اضطرابات أمنية عنيفة منذ فترة طويلة.

 

ترك الشيخ سعد بوه كثيرا من الآثار العلمية التي تناولت مختلف فنون الشريعة الإسلامية وبرز ضمنها مبدء القيم والتربية كأسلوب حياة وممارسة.

لم يغادر الشيخ سعد بوه الدنيا في سنة 1917 إلا بعد أن وضع المعالم الأساسية لحضرته وبعد أن حرك نهضة علمية وثقافية وأدبية في المنطقة، حيث كان من أكثر من مدحه الشعراء بالفصيح واللهجي في منطقة الجنوب.

 

خلفاء السعدية

تعاقب على الخلافة السعدية منذ وفاة مؤسسها الشيخ سعد بوه بن الشيخ محمد فاضل سبعة خلفاء وهم على التوالي

الشيخ سيدي بويا واستمرت خلافته سنتين حيث توفي سنة 1919.

الشيخ سيداتي الكبير بن الشيخ سعد بوه واستمرت خلافته لمدة 12 سنة حيث توفي في 1931

الشيخ الطالب بوي بن الشيخ سعده بوه واستمرت خلافته 33 سنة كاملة وانحصرت الخلافة بعد ذلك في أبنائه  إلى حين وفاته سنة 1964

ويمكن اعتبار الشيخ الطالب المؤسس الثاني للطريقة السعدية بفعل عوامل متعددة من بينها الفترة الطويلة نسبيا التي قضاها خليفة للسعدية وترسيخه لعلاقاتها داخل وخارج موريتانيا.

بعد الشيخ الطالب بويا تولى الخلافة ابنه الأكبر الشيخ سيداتي الذي يعتبر من أبرز الزعامات الروحية في موريتانيا خلال الثلاث والعشرين التي تولى فيها تسيير الخلافة السعدية.

وقد تحول الشيخ سيداتي إلى أيقونة علمية وأدبية بفعل المدائح الهائلة التي انثالت عليه من الأدباء والعلماء والفنانين.

ومن بين الأيقونات الأدبية التي مدح بها الشيخ سيداتي

قول المبشر جاء الشيخ سداتي :: قول تضمن أنواع المسرات

أقول والقول منسوب لقائله :: أهلا و سهلا به من قادم آتِ

وقد سمع العلامة محمد عبدالله ولد محمد آسكر “انگوده” رحمة الله عليه في البلاغات الشعبية في الإذاعة الوطنية، بمقدم الشيخ سيداتي فقال:

قول المبشر في قسم البلاغات :: من الاذاعة جاء الشيخ سيداتي

قول تسر قلوب السامعين به :: لايفضض الله أفواه المذيعات

الشيخ سيدات نعم الغوث إن ياتي :: أرضا تغاث بأنواع الإغاثات

وقد تذكرت أبيات الاديب هنا :: ياليتني كانت الأبيات أبياتي

“قول المبشر جاء الشيخ سداتي :: قول تضمن انواع المسرات

اقول والقول منسوب لقائله :: أهلا و سهلا به من قادم آتِ”

 

الشيخ محمد ماء العينين بن الشيخ الطالب بويا (1987-1991) وقد استمرت خلافته أيضا أربع سنوات وكانت في واحدة من أصعب الفترات في تاريخ موريتانيا، وذلك في أوج التوتر العنيف للعلاقات بين موريتانيا والسنغال، التي تمثل هي الأخرى مركزا أساسيا من مراكز السعدية، وقد أدى الشيخ محمد ماء العينين أدوارا متعددة من أجل إعادة السلام بين البلدين، وحماية الموريتانيين المقيمين في السنغال والسنغاليين المقيمين في موريتانيا، وبوفاته سنة 1991 انتقلت الخلافة إلى أخيه

الشيخ سعد بوه بن الشيخ الطالب بويا واستمرت فترته في الخلافة لست سنوات انتهت بوفاته سنة 1997، ومثلت فترته هي الأخرى فرصة أساسية لتطوير الدبلوماسية الروحية بين موريتانيا والسنغال حيث استعادت الضفة أواصرها الروحية والاجتماعية بعد فترة من التوتر العنيف.

الشيخ بوننه بن الشيخ الطالب بويا 1997-2016 وقد استمرت فترته في الخلافة ست سنوات انتهت بوفاته في 19 سبتمبر 2016، وقد شهدت فترته تطورا في المراسيم الصوفية والأعمال التعليمية للخلافة في غرب إفريقيا، وإن شهدت بعض التوتر في العلاقة بين الخلافة السعدية والرئاسة السنغالية، سرعان ما زال بسبب العلاقة الوطيدة بين الرئيس السنغالي الحالي ماكي صال وشيوخ النمجاط

وارتفع عدد زوار النمجاط من خارج موريتانيا إلى حوالي 30 ألف زائر في موسمها السنوي في رمضان.

الشيخ آياه بن الشيخ الطالب بويا : وهو الخليفة الحالي للسعدية في غرب إفريقيا عموما، ويتمتع بعلاقات وطيدة ونفوذ قوي في السنغال وموريتانيا على حد سواء.

 

سفراء الإسلام والسلام

بدأت الفاضلية نشر الإسلام في غرب إفريقيا مع الشيخ المحفوظ بن الشيخ محمد فاضل، قبل أن يتعزز دوره بحضور عمه الشيخ سعد بوه وأبنائه وأحفاده.

ويتحدث مؤرخو الحضرة السعدية عن عشرات الآلاف الذين دخلوا الإسلام عبر دعاة الطريقة السعدية خلال القرن المنصرم.

وللسعدية مراكز متعددة في السنغال أبرزها دار السلام التي أسسها الشيخ المحفوظ بن الشيخ محمد فاضل ثم أًصبحت بعد ذلك مستقرا ومنطلقا للطريقة السعدية في المنطقة.

وتمثل الآن مدينة انكمب السنغالية العاصمة الروحية للسعدية بالسنغال حيث توجد فيها مؤسسات ومراكز روحية تابعة للمدينة التي خلدها الشيخ سعد بوه في شعره من خلال أبيات رثاء لأحد أبنائه

ومن دار السلام والنمجاط انطلق دعاة السعدية لنشر الإسلام ومعارفه في السنغال وغامبيا وغينيا بيساو، حيث يوجد آلاف المنتسبين لتلك الطريقة

 

زيارة وأواصر

تستقبل النمجاط وهي العاصمة الروحية للسعدية كل سنة حوالي 30 ألف زائر من مختلف أنحاء غرب إفريقيا حيث يقضون الأيام الأخيرة من رمضان في ظلال الحضرة السعدية.

وتمثل هذه الزيارة موسما روحيا واقتصاديا بالنسبة لمناطق عديدة من ولاية الترازة، حيث تنتعش حركة الأسواق في هذه الفترة.

 

يحرص الخليفة الحالي الشيخ آياه ولد الشيخ الطالب بويا على تعزيز السلم والأواصر بين ضفتي النهر ولا يفتأ يذكر الحكومتين في دكار ونواكشوط "إن موريتانيا والسنغال شعب واحد في بلدين