الفرنسيون في مالي ..وجود يهدد الاستقرار أو انسحاب يهدد بإنهيار الدولة

جمعة, 02/07/2020 - 12:42
جنود فرنسيون في مالي

محمد سالم - خاص RIMAFRIC بات الجنود الفرنسيون في مالي وكذا البعثات العسكرية الدولية جزء أساسيا من لب الصراع بين حكومة باماكو وخصومها المختلفي الألوان والألسنة والمنطلقات، ورغم أن الفرنسيين على وجه الخصوص دخلوا مالي سنة 2012 منقذين نظام باماكو من سقوط كان قاب قوسين، إلا أنهم الآن باتوا سؤال الأزمة الأبرز ..سؤال يزداد صعوبة كلما حاول المراقبون تفكيك ضريبة بقاء هذه القوات على الأرض المالية، أو ضريبة انسحابها.

 

الأزمة من العرق إلى الدين

مالي مستعمرة فرنسية قديمة كانت تحمل قديم اسم السودان الفرنسي أو السودان الغربي، تنام مالي على تاريخ طويل تعايشت فيها قوميات عريقة على طول قرون موغلة في القدم، وعلى أرضها نشأت واستقرت وأزيلت دول وإمبراطوريات عتيدة.

ومنذ أن دخل الإسلام إلى مالي أصبح جزء أساسيا من هوية الشعب هنالك.

تعيش في مالي قوميات متعددة، حيث تعيش قبائل البمبارا السود في الجنوب، مشكلة أغلبية سكانية في شريط ضيق، أما في الشمال الذي يحتل أكثر من نصف مساحة مالي وينام هو الآخر على كنوز هائلة من الغاز والنفط، فيعيش السكان البيض وهم مكونون أساسا من قوميتي الطوارق والعرب.

 

عند استقلال مالي بدأت الأزمة السكانية عرقية محضة، فقادة الشمال كانوا يطالبون بالانفصال ونظموا عدة ثورات تم قعمها من قادة الجنوب بعنف وصل حد تسميم الآبار وإقامة مجازر مروعة.

تم إخضاع الشمال بقوة الحديد والنار وعاش أبناء مالي في جوار ملغوم طيلة عقود، ومع كل فترة ينفجر الصراع من جديد، وتكون ضريبته حربا قوية وآلاف اللاجئين ثم ينتهي إلى مفاوضات وسلام هش، سرعان ما تنسفه حرب عرقية أخرى.

 

الدين عنوان الحرب

مع نهاية التسعينيات بدأ الشمال المالي يشهد ظهور جماعات إسلامية مسلحة أغلبها من العناصر الجزائرية القادمة من سنوات العنف الجزائرية، استطاعت هذه الجماعات أن تتخذ من صحراء مالي منصة للخطف والتهديد وتنفيذ عمليات عنيفة ضد عدد من دول الجوار.

واستمر الوضع طيلة سنوات قبل أن يتكلل الصراع بانفجار خزان السلاح الليبي وينطلق أيضا مسلسل جديد من الصراع العرقي في مالي

في فترة ما بين 2009-2011 تأسست عدة جبهات مقاتلة في شمال مالي أبرزها

الحركة الوطنية لتحرير أزواد التي حملت السلاح ضد حكومة مالي وأرغمتها على الجلوس للتفاوض، كما استعادت الحركة العربية لتحرير أزواد قوتها، وتحركت أيضا تنظيمات القاعدة في بلاد المغرب العربي لتسيطر هي الأخرى على أجزاء كبيرة من الشمال.

وتقدمت الزحوف المختلفة الرايات تجاه الجنوب الذي بات مهدد أكثر من أي وقت مضى، وفي هذه الفترة بالذات تدخل الجيش الفرنسي والقوات الدولية لمنع تقدم الإرهابيين إلى باماكو، وفي خضم تلك الأجواء سقط نظام آمادو توماني توري الذي كان يوصف بأنه شريك للتنظميات الإرهابية في الشمال أو على الأقل كان خائفا من خطرها

 

ترحيب عام بالفرنسيين

 

أظهرت مختلف النخب المالية ترحيبا غير مسبوق، وخصوصا من رجال الدين والشخصيات السياسية المختلفة، واستطاعت القوات الفرنسية تدمير عدد من معاقل الجماعات الإرهابية في شمال مالي وقتل عدد كبير من عناصرها وقادتها، مبعدة بذلك شبح السقوط عن حكومة مالي.

 

ثورة الفولان

 

تأسست مع العام 2012 تنظيمات جديدة أبرزها تنظيم نصرة الإسلام بقيادة الزعيم الطارقي إياد غالي وشمل تنظيمه أيضا بعض القوميات العربية، وسرعان ما تحالف التنتظيم مع مختلف التنظيمات المسلحة في المنطقة وتحول إلى تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين، وبدأت يتمدد بشكل كبير إلى دول الجوار وخصوصا بوركينافاسو والنيجر.

لكن معطى آخر استطاع تغيير الأوضاع لصالح التنظيمات الإرهابية في الشمال ويتعلق بنشأة تنظيم مقاتلي ماسينا وذلك مع استمرار العداوة والصراع العنيف بين ماسينا وقبائل الدوغون المسلحة.

ويتهم بعض مثقفي الفولان الحكومات السابقة في مالي وكذا القوات الفرنسية بدعم الدوغون ضدهم.

ومع ظهور آمادو كوفا المطلوب الأكثر خطورة في غرب إفريقيا بالنسبة لباريس وواشنطن، استطاعت أزمة الشمال العبور من عنوان العرق إلى سؤال الدين، حيث تتوحد الآن ضد حكومة مالي كتائب متعددة تشمل السود والبيض إلى حد السواء وهو ما يعني مزيدا من تعقدي الأزمة، خصوصا أن وجود العناصر السوداء داخل مسلحي تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين، مكنهم من سرعة التنقل والتحرك داخل مناطق قد يثير فيها البيض كثيرا من الشكوك.

 

 

الغضب ضد الفرنسيين

 

بدأت مشاعر الغضب ضد الفرنسيين تخرج من المكبوت إلى العلن مع أصوات غاضبة تدعو فرنسا إلى سحب جنودها من مالي، وتتهمها بإعادة الاستعمار والتسببت في انهيار الأمن في مالي

صدرت تلك الدعوات من رجال دين وفن وسياسة وتكللت بمظاهرات واسعة في باماكو، وهو ما دفع المسؤولين الفرنسيين إلى القول إن مشاعر الكره لفرنسا تزداد في الغرب الإفريقي.

 

انهيار الأمن

ما من شك أن أوضاع الأمن في مالي باتت أسوء من ذي قبل خصوصا في ظل الهجمات المتكررة التي تستهدف القوات المالية والمدنيين، لتنضاف منطقة الوسط إلى خارطة النار الملتهبة في مالي

وتقدر مصادر مالية معدلات القتل في صفوف جنود الجيش المالي بأكثر من 300 عسكري سنويا.

كما أن حركة التنقل بين شمال وجنوب مالي باتت أكثر صعوبة، حيث يلجأ أغلب السكان إلى الانتقال إلى  بوركينافاسو من أجل الوصول إلى جاوه المالية وذلك بحثا عن طريق آمنة، وهو ما يعني أن وجود القوات الدولية فاقم الأزمة الأمنية والاجتماعية في مالي أكثر من السابق

 

 

ضريبة انسحاب فرنسا

يمكن الجزم بأن انسحاب القوات الفرنسية والقوات الدولية بشكل عام من مالي يعني ضرورة سقوط نظام باماكو الضعيف، الذي يملك تجارب في الانهيار كلما توترت الأوضاع في الشمال، خصوصا أن القوات الفرنسية دخلت أول مرة لحماية نظام باماكو من الانهيار إضافة إلى حماية مصالح فرنسا الاقتصادية والسياسية وخصوصا مناطق الطاقة التي تعتمد عليها فرنسا في اقتصادها الطاقوي.

وأمام معضلة البقاء والانسحاب تبقى مالي في مواجهة شبح أمني يزداد عمقا وترسخا كل حين، وتزداد مخالبه عمقا مع انتشار الفساد بكل رهيب في مفاصل نظام إبراهيما كيتا، لتكون الأجواء مشابهة لوضعية نظام آمادو توماني توري ..أزمات اقتصادية وفساد..وإرهاب في الشمال ..وقوات دولية على الأرض المثقلة بالجراح