الوزير المداح ..رحلة أكاديمية وسياسية حافلة بالصراع

جمعة, 11/08/2019 - 11:09

للمرة الثانية تجبر الحكومة الوزير سيدي ولد سالم على التراجع عن قرار منع طلاب حاصلين على الباكلوريا من التسجيل في الجامعة، وفي الحالتين يبقى السبب واحدا وهو وقوف الطلاب على مشارف الخامسة والعشرين من أعمارهم أو تجاوزها.

رفض الوزير أكثر من مرة الاستجابة لما سماه "عنتريات الطلاب "

 

طيلة السنوات المنصرمة لم يكن عائق العمر حاجزا دون الدراسة الجامعية، لكنه عاد مجددا ليكون عقبة أساسية في وجه عدد كبير من التلاميذ "الكبار السن".

 

ظل ولد سالم يدفع طوال الفترة المنصرمة بأن القرار إيجابي جدا ومواكب لتطورات التعليم في العالم ويدفع إلى مزيد من الجدية والصرامة وفي مرحلة لاحقت تولت وزارة الداخلية ولكن بالتي هي أخشن هذه المرة، حيث أصيب الطلاب بجراحات قاسية كانت هي السبيل الأقرب إلى تحقيق مطالبهم بعد أن أصبحت قضية وطنية.

 

 

الدكتور المناضل

ينتمي الدكتور سيدي ولد سالم إلى أقصى الشمال حيث ولد سنة 1963 في مدينة افديرك التي مارس فيها شغف الحياة العفوي، ودرس فيها بعض مراحل الابتدائية قبل أن ينتقل إلى الجنوب حيث حصل على البالكوريا سنة 1984 من ثانوية روصو، وذلك دون سن الخامسة والعشرين.

مثل قليل من أبناء المهمشين أتيحت للدكتور سيدي ولد سالم فرص لم تتح لكثير من أبناء جيله واستطاع الحصول على منحة إلى فرنسا بعد أن تم منعها منها أولا، ضمن ما يراه مقربون من الوزير حالة من الظلم كانت سائدة في قطاع التعليم.

 

في الجامعات الفرنسية درس الدكتور سيدي ولد سالم الفيزياء ونال شهادات متتالية ختمت بالدكتوراه، قبل أن يعود إلى موريتانيا حيث عمل منسقا لمادة الفيزياء في وزارة التهذيب الوطني قبل أن ينتقل إلى التعليم العالي سريعا.

طوال فترته أستاذا للتعليم العالي كان ولد سالم ينتقد بقوة مظاهر الاختلال والفشل في المنظومة الأكاديمية للجامعة ويتحدث لطلابه بمرارة عما يعانونه من تهميش مشيدا بالنموذج الأوربي في منح الطلاب ومساعدتهم على الظروف الدراسية

 

انتمى الوزير إلى حزب اتحاد القوى الديمقراطية/عهد جديد وظل من أبرز قياداته وأعضاء مكتبه التنفيذي ونال نصيبا من الاعتقالات في عهد الرئيس السابق معاوية ولد الطايع

 

إلى حضن السلطة

انتقل الدكتور سيدي ولد سالم إلى دعم السلطة عقب الإطاحة بالرئيس السابق معاوية ولد الطايع حيث تولى إدارة شركة سوكوجيم مدة أربع سنوات، وخلال تلك الفترة خاض حربا قضائية مع جريدة poin choude” التي اتهمته بالفساد وسوءالتسيير

واستمر الملف القضائي والصراع بين ولد سالم ومحرري الصحيفة أكثر من سنتين انتهى بحكم ببراءة الصحيفة من قذف الوزير

 

  • تولى ولد سالم بعد ذلك وزارة المالية في حكومة الوزير الأول مولاي ولد محمد الأغظف قبل أن يعود إلى الرئاسة مكلفا بمهمة في ديوان الرئيس

كما تولى مناصب سياسية في حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وتولى إدارة الحملة الانتخابية للحزب في النيابيات القادمة حيث دخل أيضا في صراع مع بعض الإعلاميين الذين اتهموه بالفساد وانتزع منهم اعتذارا تحت سطوة القانون، كما شهدت علاقته بالوزير الأول السابق يحيى ولد حدمين فترات شد وجذب قوية خصوصا فيما يتعلق بملفات التعليم العالي

 

 

في عمق التعليم التعليم

 

تولى ولد سالم إدارة التعليم العالي، لتبدأ تطبيق سياسة جديدة تباينت وجهات النظر حولها، وسط اتهامات واسعة وجهت للوزير بأنه أصبح تحت سيطرة مستشاره الفرنسي الذي يمكن اعتباره الوزير الفعلي للتعليم العالي وفق ما يرى خصوم الوزير.

ومن بين أبرز القرارات التي اتخذ ولد سالم طوال إدارته للتعليم العالي

  • التراجع عن دمقرطة التعليم العالي : حيث يتم تعيين عمداء الكليات بمرسوم من مجلس الوزراء، فيما يتم تعيين رؤساء الأقسام بمقرر وزاري وذلك بدل الانتخاب الذي عملت به وزارة التعليم العالي في الفترة ما بين 2006-2015
  • منع الانتخابات الطلابية في الجامعة منذ العام 2015 باستثناء كلية الطب التي أجريت فيها 2018
  • إصدار قرار بإلزامية تدريس 50% على الأقل من المقررات بالفرنسية في تخصصات ( التاريخ، القانون، الجغرافيا، علم الاجتماع والفلسفة)
  • زيادة عدد ساعات التدريس بالنسبة للأساتذة
  • إعادة هيكلة لجنة إسناد المنح وطرد ممثلي الطلاب منها.
  • دمج مدرسة المعادن ومدرسة الأشغال العمومية بألاك ومدارس المهندسين في المدرسة العليا المتعددة التخصصات.
  • تقليص أعداد الطلاب الممنوحين للخارج وذلك من خلال عدم منح أي طالب من شعبة الرياضيات والآداب العصرية والأصلية، وقصر المنح على طلاب العلوم الطبيعية.
  • رفع عتبة التنقيط للطلاب الممنوحين إلى الخارج مما أدى أيضا إلى تقليص أعدادهم.
  • التراجع عن منح الأوائل من تخصصات العلوم الشرعية والإنسانية إلى الخارج
  • تقليص أعداد المستفدين من المنحة والمساعدة الجامعية بحيث تم حرمان الطلاب الذي تتجاوز أعمارهم 23 سنة منها، كما تم إلغاء التمييز لطلاب الداخل الذين كانوا يحصلون تلقائيا على منحة جامعية لا تتجاوز 8500 أوقية قديمة.
  • فتح التحقيق في شهادات الأساتذة الجامعيين وكشف عدد من الشهادات المزورة التي استطاع بموجبها أساتذة مشهورون الولوج إلى حقل التعليم العالي.
  • الصرامة الإدارية والأكاديمية : التي رفعت سقف النجاح في المدرسة العليا المتعددة التخصصات ومكنت عددا مهما من الطلاب الموريتانيين من النجاح في مسابقة مدارس المهندسين في فرنسا، والرفع من المستوى الأكاديمي في المؤسسة بحيث أصبحت أهم مؤسسة للتعليم العالي في البلد.
  • منح تمييز إيجابي لصالح النساء في اكتتابات التعليم العالي

المنتج الفرنسي

يتهم الوزير على نطاق واسع بأنه مكن للفرنكفونية في موريتانيا من خلال مستشاره الفرنسي ذي النفوذ والعلاقات الواسعة، ويشيع في أوساط التعليم العالي أن نفوذ المستشار هو الذي جعل مدارس المهندسين الفرنسية تنظم مسابقاتها في فرنسا، كما يتهم المستشار نفسه بأنه هو من يقف وراء تحديد سن للتسجيل في الجامعات.

 

الصوفي المداح

 

على الصعيد الشخصي يوصف الوزير سيدي ولد سالم بأنه رجل متدين جدا وأحد رواد المساجد، زيادة على موهبة في فن المدح ظل الوزير يحافظ عليها إلى فترات قريبة.

 

وبين فترات تلك المسيرة الحافلة بالتحصيل الأكاديمي والشهرة العلمية والصراع السياسي يبقى ولد سالم أحد أبرز الأسماء المثيرة للجدل خلال العشرية الأخيرة من تاريخ البلد