ديوان الشيخ سيد محمد..هوامش على تحقيق جليل

ثلاثاء, 07/30/2019 - 18:35

محمد سالم بن محمد

أهداني الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الله بن محمد سيديا نسخة من عمله الجليل " ديوان الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي" جمعا وتحقيقا"، الصادر عن دار الرضوان فقلت إذ أهدى إليك الكتاب " إني ألقي إلي كتاب كريم".

ولقد حظي هذا الديوان بميزات بالغة الأهمية أولها قيمته الأدبية، فهو مجمع إبداع وملتقى فن جميل، تتكامل فيها جزالة اللغة وروعة البناء الفني  وحسن السبك، في اندماج بديع بين المعاني والمباني وبين موسيقى التنغيم وإيقاع الكلمات الراقصة والتصوير الفني الأخاذ، فكان جامعا للذوق الرهيف والحب الناعم النبيل والتصوير الشائق والطبع الجميل والظرف الحلو الباهر.

والثانية قدرة المحقق ومكانته العلمية وموهبته الأدبية وعمق دراسته للأدب ومعارف اللغة العربية، فتوفر بذلك للديوان أنه مما يجذب النفوس ويخلب الألباب ويدعو القارئ إلى رحب من الإبداع وسهل من الفن الرفيع المجنح، ومتى اجتمعت جودة النص وسموق مكانته، وأتيح له من يفك مغاليقه الذهبية، ويطرز حواشيه المخضلة إبداعا وصوره الشاذية روعة وإنسانية، فقد حيزت له أسباب الخير ونال الخدمة اللائقة به.

وثالثة الميزات الخاصة كانت عامل الزمن فقد صبر المحقق على عمله وأنسأ له من الزمن ما كان كافيا بإخراج الديون في حلة بهية قريبة جدا مما أراد الشاعر، فلقد مكث الديوان بين يدي المحقق عقودا ثلاثة، يفضضها فيها الهجير وكل بدر وتذهبه الغدايا والعشايا.

ولقد مهدت للديوان ثلاث مقدمات عظيمات الأثر والفائدة أولاهما المقدمة الضافية التي كتبها حفيد الشاعر الشيخ إبراهيم بن يوسف بن الشيخ سيديا وجاءت في اثنتين وعشرين صفحة من الديوان، حافلة بالتحليل الأدبي الرفيع وبإحلال الديوان درجته اللائق به ضمن مسيرة الأدب العربي والأدب الموريتاني خصوصا.

ولم يفت الشيخ المفتي أن يصل الرحم الإنسانية بين الديوان والآداب العالمية، حيث الأدب مشترك إنساني تسكنه روح الإبداع الذي كان من نمير ما يجمع الناس أيام كان الناس أمة واحدة.

ثم ثنى أستاذنا الدكتور محمد بن تتا بمقدمة أخرى وضعت الديوان أيضا في مكانه ضمن الحياة الثقافية والعلمية والاجتماعية التي أنتجته وكان صدى لها في بعض صفحاته وقصائده، وكان قصائد أخرى وصفحات صدى للطموح والتميز الفردي الذي كسا شخصية الشاعر بغلالة متوهجة من العزة والإبداع والعلم، والتحليق الدائب نحو مراقي المعالي

ولقد كانت المقدمتان مع المقدمة الضافية التي كتبها المحقق مصابيح تضيئ الديوان ورياضا ناضرةعلى شواطئه الزخارة بلآلئ الأدب النبيل، أو الجدارات المذهبة على مقاصير الإبداع.

منزلة الديوان في الأدب الموريتاني 

لا يخفي أن لديوان الشيخ سيدي محمد سمي المكان في ذاكرة الأدب الموريتاني وأن هذا الشاعر الشاب الذي خلب الحب والأدب والتصوف فؤاده واخترمته سهام المنون في ميعة الشباب ونضارة الحياة، كان رائدا سابقا من رواد الفترة الذهبية للشعر الشنقيطي فلقد حملت أمواج القرن الثالث عشر الهجري في سفين الأبداع أسماء لامعة سمت بالشعر في صوره وأخليته وإبداعاته وهذبت لغته ومضامينه وسارت به إلى الدرجات اللائقة به في ذاكرة الأدب العربي، ووصلت أرحامه الجاهلية والعباسية والأندلسية، وفصلت حلته الشنقيطية وخصوصياته المحلية.

ولم يخل أي من الكتب والأطروحات المؤرخة للأدب الموريتاني من الإشادة والتنويه بمكانة الشيخ سيد محمد بين شعراء هذا الجيل الذين كان واسطة عقد الأدب الموريتاني، ونجد ذلك واضحا وجليا عند الدكتور أحمد جمال ولد الحسن في أطروحته عن الشعر الموريتاني في القرن الثالث عشر وعند محمد يوسف مقلد في الشعراء الموريتانيون القدماء والمحدثون وعند محمد المختار بن أباه في الشعر والشعراء وغيرهم ممن اعتنى بالتصنيف والمجايلة في الشعر الموريتاني القديم.

حقول الديوان

 

لا يخرج قارئ ديوان الشيخ سيد محمد خالي الوفاض ولا خلي الخاطر، فهو في جولانه بين صفحات الديوان لا بد أن يؤوب بصورة مبتكرة أو ملمح أدبي رفيع أو فائدة لغوية أو براعة إبداعية، زيادة على ما يحيلك إليه من جميل الاقتباس وجليل التضمين إذ لا أن تجد بين تضاعيف القصائد وأطوار القصائد ما يحيلك إلى " شعر نادر أو خبر غابر، أو علم نافع أو دقيقة مكتنة أو مثل شارد".

 

حقل الإبداع

ولقد كان حقل الإبداع مسيطرا على الديوان، جامعا بين قدرات اللغة ومواهب التصوير لدى الشاعر، فاستطاع بالفعل استفراغ جهد الإبداع في أوعية مذهبة من اللغة الشاذية والأساليب العاطرة.

ويظهر حقل الإبداع هذا في أن الديوان ظل رغم ما وظف له من أغراض مختلفة وقيم ومعان جليلة آخذا بناصية الأبداع محافظا على درجة راقية من جودة السبك ونقاء التصوير لا ينحط عنه إلا ماهو دونها مما هو من شائع النشر بل هو معدود في درجات الإبداع وسلم المراقي الشعرية.

حقل المعارف 

حيث يظهر الديوان مستويين من رسوخ وظهور هذا الحقل أولهما مستوى المعارف الذائعة لدى نخبة القرن الثالث وهو القرن الذهبي للمحظرة الموريتانية، وتتعدد مظاهر هذا الحقل في مستويات التضمين والإحالات التي تتنظم مفاهيم العقيدة والفقه ومصطلحات النحو والصرف ومفاهيم البلاغة وألقاب علم الحديث واستحضار روح الأدب وقصصته ورموزه سواء كانت نصوصا أو أمكنة أو إعلاما أو مواقف وحوادث. مع قدرة فائقة على استنبات تلك المفاهيم وإعادة غرسها حتى تظهر لخالي الذهن وكأنها جزء لا يتجزء من النص، وتظهر لأهل المعرفة مضئية زاهية تشدهم شدا إلى التراث العربي وتصل أرحام الأدب وقرابات القصيد.

أما المستوى الثاني من ظهور وتألق حقل المعارف في الديوان فهو مستوى الثقافة الشخصية للشاعر، وهي ذات قامت على أساس الدراسة المحظرية التي توفر لها ذكاء الطلاب وموسوعية المدرسين، زيادة على موهبة المطالعة التي فتحت ذهن الشيخ سيد محمد وضاعفت قدراته العلمية بشكل فاق كثيرا من أقرانه ومعاصريه وكيف لا وقد حسبه أبوه سنة للمطالعة في مكتبه التي يعجز العيس حملها، وما خصه به من علوم لا تحيط بها الكتب وفق البيت السائر.

حقل القيم 

وقد تنوعت هذه القيم تنوعا متعددا، فنجد قيمة الحب راسخة في منسابة في تضاعيف الديوان، في درجات متعددة منها الحب الصوفي السائر في مدارج السالكين ومنازل المتقين، حبا لله، وتعلقا به وإخباتا إليه، فتراه صلوات خاشعة وتعاويذ زاكية وتسابيح تعطر اللغة، وتتألق فيها المفردات القرآنية والأساليب النبوية البديعة.

ثم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدائح مبدعة وتعلق بروح الشذى النبوي وريحانه، وحب للأشياء في هوى عذري خلب لب الفتى التقي الذي عشق الجمال وقد من صخر اللغة جليلات المعاني وانكفأ إلى الأساليب الراقية يبثها أشواقها ويلقي إليها شكوى الهجر والصد وتباريح الهوى، أو الحب الأوطان والمكان والتعلق بالأرض وهي ظاهرة فريدة في شعر الشيخ سيد محمد حيث أخذ المكان حيزا كبيرا من إبداعه.

وضمن هذه القيم تبرز قيمة البرور وحب الوالد صادحة صادقة في الديوان وليست البائية الطويلة " يا سيدي أنت فداك الله بي" النموذج الوحيد على ذلك ففي الديوان في مواضع وفقرات مختلفة منه تطل روح الوالد المحبوب والولد البار الذي تتداخل في شخصيته روح الابن المزهو بوالده كمال الدين وصورة المريد الذي يسير على خطى شيخه سعيا إلى الكمال والصفاء والوصول في طريق الأنوار.

وضمن هذه القيم تبرز أيضا قيمة الإصلاح سواء كانت إصلاحا اجتماعيا أو دينيا أو سياسيا ولا يقدم الشيخ سيد محمد رؤيته الإصلاحية في مواعظ مجردة أو نقد صارخ للواقع المزري فقط بقدر ما يقدم مشروع إصلاح متكامل بلغة الناس اليوم يتضمن الوصف والتشخيص والاقتراح، دون أن يضعف ذلك من قوة السبك وجودة الإبداع وانسياب التصوير.

وعلى كل حال فإن ظهور الديوان في حلته الزاهية هذه في طبعتها الأولى خاليا، لمما يشعر بالفخر ويدفع إلى التفاؤل على مستقبل بقية الدواوين الذهبية للشعر الموريتاني والديوان وتحقيقه حريان بما كتب المحقق في مقدمته " وهو جدير أن تقر به العيون وتزهو به الرفوف وتزدان به الطروس"

فهنئيا للمكتبة الموريتانية بصدور هذا الكتاب النبيل وهنيئا للمحقق أستاذنا الفاضل عبد الله بن محمد سيديا بظهور عمله الذي منحه المداد الراقي والزمن الكافي والتمحيص الدقيق والخدمة الجليلة.