
أحدث اﻻستفتاء اﻷخير (2017/8/5) على تعديل بعض مواد الدستور الموريتاني، شرخا عميقا في النسيج اﻻجتماعي والبنيان السياسي، وزاد عمق الهوة بين السلطة والمعارضة الجادة، أو اﻷكثر جدية، بعد إصرار السلطة الحاكمة على إجراء هذا اﻻستفتاء خارج مقتضيات الدستور، عقب رفض مجلس الشيوخ للتعديﻻت المقترحة، غير المبررة وغير المجدية أصﻻ، إﻻ في إضعاف القدرة الرقابية للسلطة التشريعية، وجعل السلطات كلها في قبضة رئيس السلطة التنفيذية.
وهذا اﻹخﻻل المتعمد بتوازن السلطات، يمثل خلﻻ في العﻻقة التعاقدية بين الشعب والسلطة، باعتبار أن الدستور هو العقد اﻻجتماعي المحدد والناظم للعﻻقة بين الطرفين، وهذا يطرح من جديد قضية شرعية السلطة الحاكمة ومدى أحقيتها بتسيير الشأن العام في البلد، ليس من الناحية السياسية واﻷخﻻقية فحسب، وإنما أيضا لخروجها السافر على نص وروح الدستور والقوانين المنبثقة عنه.
ويفرض هذا الحدث، سياسيا ومنطقيا، تحديات إضافية ملحة، على المعارضة الوطنية أن تأخذها بمنتهى الجدية والموضوعية، وﻻ يتحقق ذلك إﻻ بإعادة نظر شاملة وعميقة في استراتيجية المعارضة وتكتيكاتها المرحلية، وأن تقوم بنقد ذاتي لمسارها وممارساتها، منذ بداية التعددية حتى اﻵن.
لقد حققت المعارضة الوطنية، بمختلف مكوناتها، عدة إنجازات في مراحل ومناسبات عديدة على مدى عقدين ونصف، لكن إخفاقاتها كانت أكثر وأبعد أثرا..
وإذا أرادت المعارضة الوطنية أن تستمر في لعب دور أساسي ومؤثر في حاضر البلد ومستقبله، وأن تتقدم به خطوة، أو عدة خطوات، نحو التنمية الشاملة واﻻستقرار السياسي والأمني، فإنها مطالبة بالنظر بجدية في عدة محاور أساسية يمكن إجمالها في النقاط التالية:
● إعادة تشكيل الجسم المعارض، عن طريق اتحادات واندماجات بين اﻷحزاب، بحيث تقتصر على ثﻻثة أحزاب أو اربعة على اﻷكثر، لتقليص العدد الهﻻمي للكيانات الحزبية وزيادة فاعلية اﻷحزاب وتأثيرها (يمكن للحزب الواحد أن يضم عدة أجنحة أو تيارات لكل منها وجهة نظره، لكنها تتفق على رؤية موحدة لتحقيق اﻷهداف المشتركة)..
● وضع برامج واضحة وعملية، تشمل مختلف جوانب الحياة السياسية واﻻقتصادية والأمنية والدفاعية وغيرها.. فالكثير من المواطنين، بمن فيهم متابعون مهتمون بالشأن السياسي وراغبون في فهمه واستيعابه، يعرفون أسماء قادة اﻷحزاب وأشخاصهم أكثر مما يعرفون برامجهم وأهدافهم الحقيقية، هذا إن وجدت..
● ترشيد الشعارات والمطالب لتكون أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، حسب المراحل والظروف، بدﻻ من رفع سقف المطالب ثم النكوص عنها بعد العجز عن الوصول إليها..
● تطوير وتفعيل الخطاب السياسي والنشاط اﻹعﻻمي، والتقليل من المهرجانات المكلفة والمرهقة للمواطنين المنهكين أصﻻ بسوء أحوالهم المعيشية، إﻻ في حاﻻت الضرورة الملحة والمناسبات الاستثنائية، كالحمﻻت الانتخابية مثﻻ..
● تفعيل اﻷنشطة اﻻجتماعية واﻹعﻻمية للمعارضة في المدن الصغرى والقرى واﻷرياف، وفي كل اﻷوقات على مدار العام، وليس في المدن الكبرى وحدها وفي المواسم اﻻنتخابية دون غيرها.
● وضع سقف زمني لمأموريات رؤساء اﻷحزاب، وتعزيز وتقنين التداول المنتظم بين القيادات الحزبية، ﻹعطائها المصداقية في مواجهة السلطة، ولﻻستفادة من كل القدرات واﻹمكانيات لدى المنتمين إليها، دون اﻻنتقاص من دور ومكانة الرواد والقيادات السابقة..
● التعاطي مع السلطة، كلما أمكن ذلك، بما يخدم مصالح المواطنين ويسهم في تحسين أوضاعهم المعيشية ومستوى الخدمات المقدمة لهم، وليس بالمنطق العدمي "غالب أو مغلوب"..
هذه نقاط أراها أساسية، دون حصر أو إهمال لغيرها، ولكنها إن تحققت ستشكل أساسا ومنطلقا لمرحلة جديدة من العمل السياسي الأجدى واﻷكثر جذبا وإقناعا لمختلف شرائح المجتمع وفئاته، واﻷكثر مﻻمسة ﻻحتياجاتهم الراهنة وتطلعاتهم المستقبلية.
عبد الله إسحاق (التلميتي)
