هدى بنت باباه.. حين يتحول إصلاح التعليم من شعار إلى ورشة مفتوحة على النتائج

سبت, 08/22/2026 - 22:52

في البلدان التي تراهن على المستقبل، لا توجد وزارة أكثر حساسية من وزارة التعليم، ولا توجد مهمة أكثر تعقيدًا من إصلاح منظومة تعليمية تراكمت عليها اختلالات عقود طويلة. ولذلك فإن تقييم أداء المسؤول عن قطاع التعليم لا ينبغي أن يتم بمنطق الأخبار اليومية أو ردود الفعل العابرة، وإنما بالنظر إلى حجم التحولات التي أحدثها، وقدرته على تحويل السياسات العامة إلى مشاريع ومؤسسات وأرقام ونتائج.

ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي، الدكتورة هدى بنت باباه، واحدة من التجارب اللافتة في الإدارة الحكومية الموريتانية خلال السنوات الأخيرة.

فمنذ توليها حقيبة التربية في 6 أغسطس 2024، دخلت الوزيرة إلى قطاع شديد التعقيد، يحمل تركة ثقيلة من النقص في البنية التحتية، والحاجة إلى المزيد من المدرسين، وتفاوت فرص التعليم، وتعدد أنماط التعليم، وتحديات جودة المخرجات. وتشير سيرتها الرسمية إلى أنها كانت قبل ذلك مديرة عامة للمعهد التربوي الوطني، ومستشارة للوزير الأول مكلفة بالتربية والتعليم العالي والبحث العلمي، فضلًا عن تجربتها الأكاديمية كباحثة ومدرسة في جامعة نواكشوط.

ولعل أهمية هذه الخلفية أنها جعلت الوزيرة تصل إلى الوزارة وهي تعرف القطاع من الداخل، وتدرك أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتم بقرار إداري منفرد، وإنما يحتاج إلى رؤية، وبنية تحتية، ومدرس، ومناهج، ونظم معلومات، وحوكمة، وتقويم، ومتابعة مستمرة.

مدرسة جمهورية تتقدم من الفكرة إلى المؤسسة

إذا كان ثمة عنوان كبير يمكن أن تختصر فيه المرحلة الحالية من إصلاح التعليم الموريتاني، فهو المدرسة الجمهورية.

وقد جعلت الوزيرة من هذا المشروع محورًا أساسيًا في خطابها وسياساتها التعليمية، معتبرة إياه إطارًا استراتيجيًا لبناء منظومة تعليمية أكثر إنصافًا وقدرة على توحيد فرص التعلم أمام أبناء الموريتانيين.

وفي حديثها ضمن برنامج «المساءلة» في أبريل 2026، أوضحت الوزيرة أن مشروع المدرسة الجمهورية جاء في سياق كان القطاع يواجه فيه نقصًا في الطواقم التربوية والحجرات المدرسية، وتشتتًا في البرامج وفوضوية في بعض جوانب التعليم الخاص. ومع ذلك، أكدت أن المشروع وصل إلى سنته الرابعة، بالتوازي مع تشييد آلاف الحجرات الدراسية واكتتاب أكثر من 13 ألف مدرس.

والأهم أن هذه الأرقام لا تتعلق فقط بفترة تولي الوزيرة حقيبتها، وإنما تأتي في إطار مسار إصلاح حكومي بدأ قبل ذلك. والإنصاف هنا يقتضي نسبتها إلى مسار إصلاح التعليم الذي تقوده الحكومة، مع الإشارة إلى أن الوزيرة تولت مسؤولية تنفيذ هذا المسار والدفع به إلى مراحل متقدمة.

29% من المنشآت التعليمية خلال سنوات قليلة

من أبرز الأرقام التي قدمتها الوزيرة أن ما تم تشييده منذ 2019 يعادل نحو 29% من مجموع المنشآت التعليمية التي شيدت في موريتانيا منذ نشأة الدولة.

وهو رقم بالغ الدلالة؛ لأنه لا يتحدث عن عشرات المدارس أو مئات الحجرات فقط، وإنما عن تغير كبير في حجم الاستثمار في البنية التحتية التعليمية.

وهذا يعني أن الإصلاح لم يبق حبيس النصوص والخطط، وإنما أخذ شكلًا ماديًا يراه المواطن في المدارس والحجرات والمؤسسات التعليمية.

وفي التعليم، تكتسب البنية التحتية أهمية خاصة؛ فالحديث عن جودة التعليم يصبح ناقصًا إذا لم تتوافر المدرسة المناسبة، والحجرة المناسبة، والبيئة التي تساعد التلميذ والمدرس على أداء مهمتهما.

13 ألف مدرس.. الاستثمار في العنصر البشري

المدرس هو قلب العملية التعليمية.

ولهذا فإن أحد أكبر التحديات التي واجهت الإصلاح تمثل في توفير الموارد البشرية الكافية لمواكبة التوسع في البنية المدرسية.

وتشير الوزيرة إلى أن أكثر من 13 ألف مدرس تم اكتتابهم في إطار المسار الإصلاحي، وهو ما يمثل نحو 47% من إجمالي الاكتتاب في قطاع التعليم منذ إنشاء الدولة.

هذه النسبة تكشف حجم الجهد المبذول في معالجة أحد الاختلالات الأساسية في المنظومة: نقص المدرسين.

والأهم أن التوسع في الاكتتاب لم يكن، وفق خطاب الوزارة، منفصلًا عن مسار إصلاح الجودة؛ فالمرحلة الحالية من الإصلاح تركز بصورة متزايدة على تكوين المدرسين ورفع مستوى الأداء وتحسين المخرجات.

وهنا تبدو إحدى نقاط القوة في المرحلة: الانتقال التدريجي من سؤال «كم مدرسة وكم مدرسًا نحتاج؟» إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا يتعلم الطفل داخل المدرسة؟

من التوسع الكمي إلى معركة الجودة

ربما يكون هذا هو التحول الأهم في خطاب الوزارة.

فبعد سنوات ركزت فيها الدولة بدرجة كبيرة على توسيع العرض المدرسي وتوفير البنية التحتية والمدرسين، تقول الوزيرة إن المرحلة الحالية تركز بصورة أكبر على جودة التعليم.

وفي اجتماعها مع المسؤولين التربويين في آدرار، أكدت أن الإصلاح دخل مرحلة جديدة، وأن التحدي الحالي يتمثل في رفع مستوى الأداء وتحسين مخرجات النظام التعليمي، مع الاستمرار في تطوير البنية التحتية وتوسيع برامج التغذية المدرسية وإدماج اللغات الوطنية.

وهذا التحول مهم جدًا؛ لأن أي منظومة تعليمية يمكنها أن تحقق أرقامًا كبيرة في الالتحاق بالمدارس، لكن النجاح الحقيقي يقاس بما يتعلمه التلميذ، وبما يستطيع فعله بعد سنوات الدراسة.

رقمنة الإدارة.. إصلاح لا يراه المواطن لكنه يغير طريقة تسيير القطاع

من الإنجازات التي تستحق التوقف عندها أيضًا ما يتعلق بالتحول الرقمي.

فالوزارة أعلنت عن نظام معلوماتي يتيح إدارة بيانات التلاميذ والموظفين والخريطة المدرسية، وهو ما يضع القطاع على طريق الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة القائمة على البيانات.

كما بدأت الوزارة رقمنة تصحيح الامتحانات الوطنية بهدف الحد من الأخطاء في التصحيح، وفق ما عرضته الوزيرة في برنامج «المساءلة».

وقد يبدو هذا النوع من الإصلاح أقل إثارة من بناء مدرسة جديدة، لكنه في الواقع بالغ الأهمية؛ لأن الوزارة التي لا تمتلك بيانات دقيقة عن تلاميذها ومدرسيها ومدارسها وخريطتها التعليمية يصعب عليها التخطيط بصورة علمية.

شفافية أكبر في تسيير الموارد البشرية

ومن الملفات التي عرضتها الوزيرة أيضًا اعتماد منصات رقمية في تسيير بعض العمليات المتعلقة بالموارد البشرية، خصوصًا التحويلات ولمّ الشمل.

ووفق تصريحاتها، أصبح هذا المسار يتم عبر منصة رقمية تعتمد معايير محددة وتوفر قدرًا أكبر من الشفافية، مع الإشارة إلى أن النقابات أشادت بهذه الآلية.

وهذا النوع من الإصلاح الإداري مهم لأنه يعالج واحدة من أكثر النقاط حساسية في أي قطاع حكومي: ثقة الموظف في عدالة القرارات الإدارية.

كلما قلت مساحة التدخلات الشخصية، واتسعت مساحة المعايير المعلنة والأنظمة الرقمية، زادت فرص بناء إدارة أكثر مهنية.

تحسين ظروف المدرسين

لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون الحديث عن المدرس.

وقد شهدت السنوات الأخيرة إجراءات متعددة لتحسين ظروف الطواقم التربوية، بحسب ما عرضته الوزارة، من بينها التحفيزات والزيادات، إلى جانب إطلاق صندوق دعم سكن المدرسين.

وتشير المعطيات التي عرضتها الوزيرة إلى أن الدفعة الأولى المستفيدة من الصندوق ضمت 1363 مدرسًا. كما تم تخصيص جائزة رئيس الجمهورية للتميز بقيمة 250 مليون أوقية قديمة.

وإذا كان تحسين ظروف المدرس ليس ترفًا إداريًا، فإن تكريم المتميزين منهم يمثل رسالة أخرى: أن المدرسة لا يمكن أن تنهض دون إعادة الاعتبار لمن يقف داخل الفصل كل يوم.

التعليم الخاص.. الانتقال من الفوضى إلى التنظيم

من الملفات التي تحدثت عنها الوزيرة كذلك مسألة تنظيم التعليم الخاص.

فقد أكدت أن الوزارة عملت على ضبط القطاع، وأن افتتاح المدارس الخصوصية الأجنبية أصبح مرتبطًا باحترام المعايير المطلوبة.

وهذا التوجه يكتسب أهمية خاصة في ظل تعدد أنماط التعليم في موريتانيا.

فالهدف من التنظيم ليس التضييق على التعليم الخاص، وإنما ضمان ألا يؤدي تعدد المؤسسات والمناهج إلى خلق أنظمة تعليمية متوازية تنتج فرصًا غير متكافئة بين أبناء المجتمع.

وهنا تتقاطع عملية تنظيم التعليم الخاص مع الفكرة الكبرى للمدرسة الجمهورية: تقليص الفوارق في فرص التعليم وبناء حد أدنى مشترك من الجودة والإنصاف.

نتائج الامتحانات.. الصرامة التي تحاول حماية قيمة الشهادة

قد يكون هذا الملف الأكثر إثارة للجدل، لكن الوزيرة قدمت أرقامًا تستحق النقاش.

ففي جلسة أمام الجمعية الوطنية في يناير 2026، قالت إن متوسط النجاح في البكالوريا ارتفع من 20.36% خلال الفترة 1986–2019 إلى 26.66% خلال الفترة 2019–2025.

كما أشارت إلى أن عدد الناجحين الحاصلين على تقديرات في البكالوريا بلغ 2139 تلميذًا عام 2025، وهو أعلى عدد، بحسب تصريحها، منذ استقلال البلاد.

لكن الوزيرة لم تختزل نجاح الإصلاح في رفع نسب النجاح فقط؛ بل دافعت عن ضرورة الحفاظ على جودة الشهادة وصرامة الامتحان، معتبرة أن الهدف ليس جعل البكالوريا مجرد محطة عبور، وإنما تخريج تلاميذ يمتلكون مستوى علميًا حقيقيًا.

وهذه رؤية يمكن الدفاع عنها بقوة: التعليم لا ينجح عندما يزداد عدد الشهادات فقط، بل عندما تزداد قيمة ما وراء الشهادة.

نحو تعليم أكثر حضورًا على الساحة الدولية

ومن العلامات الإيجابية في المرحلة الحالية تحسن حضور التلاميذ الموريتانيين في المسابقات العلمية الإقليمية والدولية.

فقد ذكرت الوزيرة أن موريتانيا حصلت منذ 2021 على نحو 50 ميدالية و7 شهادات تميز في مسابقات دولية وإقليمية، وأن عددًا من الطلاب الذين واصلوا دراستهم في الخارج حققوا نتائج ممتازة مقارنة بأقرانهم.

وفي يوليو 2026، أشارت الوزيرة كذلك إلى إحراز الفريق الوطني للأولمبياد في الرياضيات سبع ميداليات في الدورة الأخيرة للأولمبياد الإفريقي.

وهذه النتائج، إذا استمرت وتوسعت، يمكن أن تصبح واحدة من أهم مؤشرات التحول النوعي في التعليم الموريتاني؛ لأن التنافس العلمي الدولي يضع التلميذ الموريتاني أمام معايير خارجية أكثر صرامة.

اللغات الوطنية.. التعليم بوصفه مشروعًا للهوية والاندماج

من الملفات التي برزت كذلك في مسار الإصلاح إدماج اللغات الوطنية في المنظومة التعليمية.

وتعتبر الوزارة المدرسة الجمهورية إطارًا لتعليم يجمع أبناء المجتمع ويعزز الانسجام الاجتماعي، مع إدماج اللغات الوطنية ومراجعة المناهج والبرامج.

وهذا الجانب لا يتعلق فقط بالمنهج، بل بفلسفة التعليم نفسها: أي مدرسة نريد؟ ولأي مجتمع؟

وعندما يجتمع أبناء المجتمع في المدرسة نفسها، ويتعلمون ضمن منظومة وطنية واحدة، فإن المدرسة تتحول من مكان لتلقي الدروس إلى مؤسسة لبناء المواطنة.

من نواكشوط إلى باريس.. عرض التجربة الموريتانية دوليًا

لم تتوقف حركة الوزيرة عند إدارة القطاع داخليًا.

ففي يوليو 2026 شاركت هدى بنت باباه في قمة تحويل التعليم TES+4 في مقر اليونسكو بباريس، وقدمت تجربة موريتانيا في بناء منظومة تعليمية أكثر قدرة على الصمود، واستعرضت مشروع المدرسة الجمهورية باعتباره إطارًا استراتيجيًا للإصلاح التربوي الوطني.

كما عقدت على هامش القمة لقاءات مع مسؤولين وشركاء دوليين لبحث تطوير التعاون وتبادل الخبرات ودعم جهود إصلاح التعليم.

والأهمية هنا لا تكمن في السفر والمشاركة في المؤتمرات بحد ذاتهما، وإنما في إدخال التجربة الموريتانية إلى النقاش الدولي حول مستقبل التعليم وقدرة الأنظمة التعليمية على الصمود.

هدى بنت باباه.. وزيرة في مرحلة تعليمية انتقالية

ربما يكون من الإنصاف النظر إلى أداء هدى بنت باباه في سياق أوسع من عمرها الوزاري.

فالوزيرة لم تبدأ إصلاح التعليم من الصفر، كما أن كثيرًا من المشاريع التي تنفذ اليوم هي مشاريع حكومية ممتدة زمنيًا. لكن ما يميز المرحلة الحالية هو محاولة ربط هذه المشاريع في رؤية واحدة: مدرسة جمهورية، بنية تحتية، موارد بشرية، مناهج، رقمنة، حكامة، جودة، امتحانات، وتكوين.

وهذه النقطة هي التي تجعل تجربتها جديرة بالاهتمام.

فالإدارة الناجحة ليست بالضرورة الإدارة التي تعلن أكبر عدد من المشاريع، وإنما الإدارة التي تستطيع أن تحول المشاريع المتفرقة إلى منظومة إصلاح متماسكة.

 

شهادة الأرقام

الأرقام التي قدمتها الوزيرة في مناسبات رسمية ترسم صورة لمسار واسع:

13 ألف مدرس مكتتبون، 47% من إجمالي الاكتتابات التعليمية منذ نشأة الدولة وفق المعطيات التي عرضتها، نحو 29% من مجموع المنشآت التعليمية منذ الاستقلال شيدت منذ 2019، 1363 مدرسًا في الدفعة الأولى من المستفيدين من صندوق دعم السكن، 250 مليون أوقية قديمة لجائزة التميز، وتحسن في مؤشرات نتائج الامتحانات، فضلًا عن حضور متزايد للتلاميذ الموريتانيين في المنافسات العلمية الدولية.

قد يختلف الناس حول تفسير هذه الأرقام أو حول حجم أثرها النهائي، وهذا طبيعي في أي نقاش حول سياسة عامة.

لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن قطاع التعليم يعيش ورشًا إصلاحيًا واسعًا من حيث البنية التحتية والموارد البشرية والرقمنة والمناهج والحكامة والجودة.