الحوار الوطني في موريتانيا.. من يفاوض من؟ وما الذي يريده كل طرف؟

سبت, 08/22/2026 - 22:45

بعد أشهر طويلة من المشاورات والتعثر والخلاف حول جدول الأعمال، انتقل الحوار الوطني في موريتانيا في يوليو 2026 من مرحلة التحضير إلى مرحلة أكثر جدية، عندما وقعت القوى السياسية المشاركة في نواكشوط الوثيقة المرجعية للحوار الوطني، في خطوة أنهت جزءًا مهمًا من الخلافات التي عطلت المسار منذ مارس الماضي.

لكن أهمية الحوار لا تكمن في توقيع الوثيقة وحده؛ فالأهم هو معرفة من يجلس إلى الطاولة، ومن يمثل كل طرف، وما الذي يريده، وما الملفات التي قبلت بها الأطراف، وما الملفات التي جرى إخراجها من الوثيقة بعد أن كادت تفجر المسار برمته.

خمسة أسماء وقّعت الوثيقة.. وخريطة سياسية بأكثر من خمسة أطراف

بحسب الوكالة الموريتانية للأنباء، وقّع الوثيقة المرجعية مساء 14 يوليو 2026 خمسة أشخاص يمثلون الكتل السياسية الرئيسية المشاركة في المسار:

  • موسى فال: منسق الحوار الوطني.
  • محمد بلال مسعود: ممثل الأغلبية الرئاسية والأحزاب الداعمة لرئيس الجمهورية.
  • حمادي ولد سيد المختار: ممثل مؤسسة المعارضة الديمقراطية.
  • محمد ولد مولود: ممثل ائتلاف المعارضة الديمقراطية.
  • إبراهيم ولد أبيهي: ممثل تكتل القوى الديمقراطية.

وهذه الأسماء تكشف طبيعة الترتيب السياسي للحوار.

فالأغلبية دخلت الحوار عبر محمد بلال مسعود، رئيس حزب الإنصاف، بينما مثل المعارضة الرئيسية حمادي ولد سيد المختار، رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، ومحمد ولد مولود، رئيس اتحاد قوى التقدم، في حين وقع إبراهيم ولد أبيهي عن تكتل القوى الديمقراطية.

أما موسى فال، فليس ممثلًا لأحد المعسكرين، وإنما يشغل موقع منسق الحوار الوطني، وهو الذي تولى إدارة المرحلة التحضيرية وصياغة الوثيقة المرجعية.

وتؤكد هذه التركيبة أن الحوار ليس اجتماعًا ثنائيًا بين الحكومة والمعارضة، بل محاولة لبناء صيغة تجمع الأغلبية الرئاسية، ومكونات المعارضة، وتكتل القوى الديمقراطية حول وثيقة واحدة.

محمد بلال مسعود.. رجل الأغلبية في الحوار

يمثل محمد بلال مسعود حزب الإنصاف والأغلبية الرئاسية في هذا المسار.

ولم يكن اختياره تفصيلًا بروتوكوليًا؛ فقد لعب حزب الإنصاف دورًا مركزيًا في صياغة موقف الأغلبية من الوثيقة المرجعية.

ففي 23 يونيو 2026 اجتمعت أحزاب الأغلبية الرئاسية والأحزاب الداعمة للرئيس في مقر حزب الإنصاف، وناقشت الوثيقة التي قدمها منسق الحوار، قبل أن تعتمد ردًا موحدًا وتفوض رئيس حزب الإنصاف بإحالته إلى منسق الحوار.

ثم جددت أحزاب الأغلبية في اجتماعها يوم 8 يوليو تمسكها بالحوار، ومنحت محمد بلال مسعود تفويضًا بتوقيع الوثيقة، مع استمرارها في المطالبة بإدخال تعديلات تراها ضرورية.

إذن، فإن موقف الأغلبية لم يكن موقف حزب الإنصاف وحده، وإنما موقفًا موحدًا للكتلة الرئاسية والأحزاب الداعمة للرئيس، مع احتفاظ حزب الإنصاف بالدور المركزي في تمثيل هذا الموقف.

حمادي ولد سيد المختار.. المعارضة الإسلامية على الطاولة

في الجهة المقابلة يقف حمادي ولد سيد المختار، رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، الذي يمثل مؤسسة المعارضة الديمقراطية.

وجود ولد سيد المختار على طاولة الحوار مهم سياسيًا، لأن «تواصل» هو أحد أكبر الأحزاب المعارضة وأكثرها حضورًا في البرلمان والمشهد السياسي.

وهذا يعني أن الحوار لا يستبعد التيار الإسلامي السياسي من حيث المبدأ، بل إن رئيس أكبر أحزابه المعارضة يشارك في توقيع الوثيقة المرجعية.

لكن مشاركة «تواصل» لا تعني أن المعارضة الموريتانية كتلة واحدة.

وهنا تبدأ تعقيدات المشهد.

محمد ولد مولود.. المعارضة ذات الخلفية اليسارية

إلى جانب حمادي ولد سيد المختار، وقع محمد ولد مولود، رئيس اتحاد قوى التقدم، ممثلًا عن ائتلاف المعارضة الديمقراطية.

ولد مولود شخصية تاريخية في المعارضة الموريتانية، ويمثل تيارًا سياسيًا مختلفًا جذريًا في مرجعياته عن «تواصل».

ووجود الرجلين معًا على الوثيقة يكشف محاولة لتشكيل حد أدنى مشترك بين تيارات معارضة ذات خلفيات سياسية وفكرية مختلفة.

وهذه ليست مسألة بسيطة؛ لأن المعارضة الموريتانية عانت تاريخيًا من الانقسام حول الأولويات وطريقة التعامل مع السلطة.

ولهذا فإن نجاح الحوار لا يتوقف فقط على قدرة المعارضة على التفاوض مع الأغلبية، وإنما أيضًا على قدرتها على الحفاظ على حد أدنى من التفاهم الداخلي.

إبراهيم ولد أبيهي.. تكتل القوى الديمقراطية يعود إلى المشهد

أما إبراهيم ولد أبيهي، فقد وقع الوثيقة ممثلًا عن تكتل القوى الديمقراطية.

وتكتسب مشاركة التكتل أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه التاريخي في المعارضة الموريتانية.

فوجوده إلى جانب «تواصل» واتحاد قوى التقدم يعني أن الوثيقة استطاعت جمع أطراف معارضة لا تنتمي إلى تيار سياسي واحد.

لكن هذا لا يعني أن كل الطيف المعارض أصبح داخل الحوار.

وهنا يجب التمييز بين القوى التي وقعت الوثيقة وبين القول إن «كل المعارضة» وافقت عليها.

فالوكالة الموريتانية للأنباء تتحدث عن القوى السياسية المشاركة في التوقيع، بينما ظهرت لاحقًا مواقف سياسية من قوى أخرى ترفض المشاركة أو تتحفظ عليها.

موسى فال.. مهندس المرحلة التحضيرية

خلف هذه الأطراف يقف موسى فال، الذي تولى تنسيق الحوار.

وتكشف تصريحاته أن المسار لم يكن وليد أسابيع قليلة؛ فقد قال عقب توقيع الوثيقة إن إعداد وثائق الحوار استغرق عامًا وأربعة أشهر، وإن الأشهر السبعة الأولى خصصت لإعداد خارطة طريق تطلبت لقاءات مكثفة مع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية.

وهذا التفصيل مهم جدًا.

فالحوار الحالي لم يبدأ بتحديد جدول أعمال جاهز من السلطة ثم دعوة الأحزاب للتوقيع عليه، بل مر، وفق الرواية الرسمية للمسار، بمرحلة تشاور طويلة حول المواضيع والمنهجية والنتائج المتوقعة.

وتظهر خارطة الطريق المنشورة أن المرحلة التمهيدية هدفت إلى جمع مقترحات الأطراف بشأن أهداف الحوار ونتائجه المنتظرة وموضوعاته ذات الأولوية والمنهجية التي ينبغي اتباعها.

العقدة التي عطلت الحوار: «المدد والمأموريات»

إذا كان هناك ملف واحد يلخص حجم التوتر الذي رافق الحوار، فهو موضوع «المدد والمأموريات».

فالوثائق التي كانت مطروحة خلال المرحلة التحضيرية تضمنت هذا الموضوع، وهو ما أثار تحفظ المعارضة.

وبحسب مصادر موريتانية تابعت المفاوضات، طالبت المعارضة بإزالة العبارة أو تقييدها بما يمنع المساس بالمواد الدستورية المحصنة، بينما تمسكت قوى في الأغلبية بإبقائها ضمن جدول الأعمال.

ولم يكن الخلاف حول الكلمات فقط.

فالعبارة ارتبطت مباشرة بالمخاوف المعارضة من إمكانية استخدام الحوار لفتح نقاش حول الحد الدستوري للمأموريات الرئاسية، وبالتالي احتمال فتح الطريق أمام ولاية رئاسية ثالثة.

وهذا هو السبب الذي جعل الملف أكثر حساسية من بقية الملفات.

كيف خرجت الأطراف من المأزق؟

في يونيو، قدم منسق الحوار وثيقة جديدة خلت من الإشارة إلى «المدد والمأموريات».

وقدمت الوثيقة أربعة محاور رئيسية هي:

الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، النموذج الديمقراطي للبلاد، نموذج الحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

ثم جاءت الوثيقة التي وقعت في يوليو لتضع المسار على أرضية التوافق.

وبذلك تم تجاوز واحدة من أصعب العقبات التي كانت تهدد الحوار.

لكن حذف العبارة لا يعني أن قضية المأموريات اختفت من السياسة الموريتانية؛ بل يعني فقط أنها لم تعد بندًا في الوثيقة المرجعية للحوار.

وهذا تمييز ضروري.

أربعة محاور.. وأربع معارك سياسية

الوثيقة النهائية جعلت الحوار يدور حول أربعة محاور كبرى.

1. الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي

وهذا هو الملف الأكثر ارتباطًا بالتركيبة الاجتماعية الموريتانية.

ويشمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قضايا التعايش والاندماج والتمييز ومخلفات العبودية والإرث الإنساني والعدالة الاجتماعية.

التحدي هنا أن تتجنب الأطراف تحويل هذه الملفات إلى مجرد شعارات، وأن تبحث عن سياسات وإجراءات قابلة للتطبيق.

2. النموذج الديمقراطي

وهذا المحور هو الأكثر اتصالًا بالسياسة اليومية.

فالنقاش حول الديمقراطية يعني عمليًا:

الانتخابات، الأحزاب، تمويل الحياة السياسية، قواعد المنافسة، المؤسسات المنتخبة، وضمانات التناوب.

ومن هنا يمكن أن تكون مخرجات هذا المحور أكثر تأثيرًا في المستقبل السياسي للبلاد من أي بيان سياسي يصدر عن الحوار.

3. نموذج الحوكمة

وهنا يدخل ملف الدولة نفسها.

كيف تدار المؤسسات؟

كيف تحارب الرشوة والفساد؟

كيف تتم مساءلة المسؤول؟

كيف تضمن فعالية الإدارة؟

وكيف يتحول الإصلاح السياسي إلى خدمات يلمسها المواطن؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان الحوار سيبقى شأنًا بين النخب أم يتحول إلى مشروع إصلاح للدولة.

4. الفئات الهشة والمخاطر والتهديدات

ويتصل هذا المحور بالشباب والنساء والفئات الهشة والمهمشة، إضافة إلى التحديات الأمنية والاجتماعية التي تواجه البلاد.

والتحدي هو ضمان ألا يكون تمثيل هذه الفئات مجرد مشاركة رمزية في جلسات الحوار.

ماذا تريد الأغلبية؟

يمكن اختصار موقف الأغلبية في ثلاث نقاط أساسية:

أولًا: الحفاظ على مسار الحوار باعتباره خيارًا سياسيًا للرئيس الغزواني.

ثانيًا: رفض وضع قيود مسبقة على الموضوعات التي يمكن مناقشتها، وهو ما ظهر بوضوح في موقف الأغلبية خلال المرحلة التحضيرية.

ثالثًا: الوصول إلى توافق سياسي يضمن الاستقرار دون أن يتحول الحوار إلى منصة لمواجهة السلطة.

وقد أكدت أحزاب الأغلبية في يونيو تمسكها بحوار «جاد وشامل» وعدم استبعاد أي طرف أو أي موضوع مسبقًا.

لكنها قبلت في النهاية الوثيقة التي حذفت منها عبارة «المدد والمأموريات».

وهنا حدث أول تنازل سياسي مهم من أجل إنقاذ المسار.

وماذا تريد المعارضة؟

أما المعارضة المشاركة، فمصالحها مختلفة.

هي تريد، بالدرجة الأولى، ضمانات سياسية ومؤسسية.

وفي مقدمة ذلك:

  • إصلاح المنظومة الانتخابية.
  • تعزيز نزاهة الانتخابات.
  • تحسين شروط المنافسة السياسية.
  • معالجة الملفات الاجتماعية الكبرى.
  • تحسين الحكامة.
  • ضمان عدم استخدام الحوار لفتح الباب أمام تعديل قواعد تداول السلطة.

وقدمت المعارضة ردها على الوثيقة عبر ائتلاف المعارضة الديمقراطية، حيث سلّم محمد ولد مولود الرد باسم الائتلاف إلى منسق الحوار في 26 يونيو. ووصف الائتلاف خطوته بأنها تفاعل إيجابي ومسؤول مع المسار التحضيري.

وهذا يكشف أن المعارضة لم تدخل الحوار باعتبارها كتلة صامتة، وإنما حاولت التأثير في الوثيقة نفسها قبل توقيعها.

لكن هل الحوار يمثل كل موريتانيا؟

هنا يجب الحذر من المبالغة.

القول إن «كل القوى السياسية الموريتانية» اتفقت على الحوار يحتاج إلى تدقيق.

فالوثيقة وقعتها بالفعل شخصيات تمثل أقطابًا سياسية رئيسية، لكن المشهد السياسي عرف مواقف معارضة للمشاركة في الحوار من قوى أخرى.

وهذا يعني أن الحوار واسع لكنه ليس إجماعًا سياسيًا كاملًا.

والفارق بين التعبيرين كبير.

فالإجماع يعني أن الأطراف الرئيسية خارج المسار أيضًا وافقت عليه، بينما الواقع السياسي أكثر تعقيدًا.

لماذا يمثل 14 يوليو نقطة تحول؟

لأن التوقيع أنهى مرحلة من أصعب مراحل الحوار: مرحلة التفاوض على قواعد الحوار نفسه.

وهذه مفارقة تستحق التوقف.

فالفرقاء لم يبدأوا مباشرة في مناقشة إصلاح الانتخابات أو الحكامة أو الوحدة الوطنية، وإنما أمضوا وقتًا طويلًا في التفاوض حول:

ما الذي يمكن أن نناقشه؟ وكيف نناقشه؟ ومن يشارك؟ وما حدود النقاش؟

وعندما تمكنوا من الاتفاق على هذه القواعد، أصبح بالإمكان الانتقال إلى مضمون الحوار.

وقد وصف منسق الحوار توقيع الوثيقة بأنه نهاية للمرحلة التحضيرية وبداية مرحلة جديدة، داعيًا الأحزاب والمجتمع المدني والشخصيات الوطنية إلى دراسة المحاور الأربعة وإعداد مقترحاتها.

السؤال الأصعب: ماذا سيحدث بعد الحوار؟

هنا تكمن قيمة المسار كله.

فموريتانيا لا تحتاج إلى وثيقة سياسية جديدة بقدر حاجتها إلى تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

إذا انتهى الحوار إلى توصيات حول الانتخابات دون تغيير حقيقي في قواعدها، فلن يشعر المواطن بتغيير كبير.

وإذا تحدث عن الحكامة دون تعزيز آليات الرقابة والمساءلة، فستظل الحكامة عنوانًا جميلًا.

وإذا ناقش الوحدة الوطنية دون إجراءات ملموسة للعدالة الاجتماعية والمساواة، فستبقى القضية مفتوحة.

أما إذا تمكنت الأطراف من تحويل التوافق إلى قوانين ومؤسسات وسياسات عامة، فسيكون للحوار أثر حقيقي.