إعلان

الفيس بوك

كاريكاتور

صور

الشيخ انجاي : مقاومة أهل الشمال كانت من أجل النخاسة

اثنين, 03/13/2017 - 16:11

ترجمة لمقال الدكتور الشيخ انجاي المثير للجدل والذي نشره موقع الأخبار إنفو واكريدم وافلام نت وغيرهم في نهاية سنة 2016 وسخر كاتبه من نتائج الحوار الوطني الشامل قائلا انه لم ينظم الا للعبث برموز الجمهورية من أجل تحريف التاريخ وتبييض الوجه الحقيقي لما يسميه "مقاومة الشمال" التي وصفها بشركة تجارية للنهب واختطاف العبيد ويتهم كثير من قادتها بالهمجية والجهوية والعنصرية. وأورد الكاتب عدة وثائق أجنبية يزعم أنها تثبت تورط مشايخ وقادة المقاومة في تجارة العبيد المربحة آنذاك. ويدعو الكاتب في نهاية المقال إلى إضافة عارضة سوداء للعلم تخليدا لعميات النخاسة والعبودية وتصفية الضباط الزنوج، بدل تلطيخه بعارضة حمراء تخلد عمليات النهب والسلب حسب زعمه. وهذا نص الترجمة:

 

من نظام البيضان إلى تاريخ البيضان

بقلم الشيخ م. انجاي، باحث ومناضل موريتاني

بقلم الشيخ م. انجاي، باحث ومناضل موريتاني

 

D’un Système beïdane à une Histoire beïdane

Par Cheikh M. N’Diaye, chercheur et militant mauritanien

خيارات جائرة ومزعجة:

 

لقد أثارت المقترحات المنبثقة عن "الحوار الوطني الشامل"، الهادفة إلى تغيير العلم والنشيد الوطنيين، حفيظتي وولدت في داخلي شعورا بالمهانة والغضب، ولم أكن الوحيد في ذلك. ومما زادني إحباطا وتقززا مشاركة بعض القادة الناطقين باسم مجموعتنا العرقية في تلك المهزلة، ورؤية صامبا اتيام، رئيس قوى التغيير التقدمي (FCP)، يجلس جنبا إلى جنب مع حمادي صوما با وولد محم وعثمان ولد الشيخ والسعد ولد لوليد وأمثالهم من المرتزقة الانتهازيين.

 

فكيف لرجل طالما كافح الظلم وناضل من أجل مجموعات وطنية عديدة أن يتقاعس ويتنكر بهذه السهولة؟ وكيف لرجل قدم الكثير لشعبه أن يبارك هذا الصمت والتواطؤ الهادف إلى توطيد وتقنين التهميش والإهمال المتعمَّد لشرائح بأكملها من شرائح البلد، مخيبا بذلك آمال من آمنوا به وبنضاله ردحا من الزمن؟ وأخيرا، كيف يكمن لهذا المثقف الكبير أن يورط في مغامرة مخجلة لتزييف الحقائق التاريخية والعبث برموز الجمهورية؟ هل إلى هذا الحدق قصرت ذاكرتنا؟

إن التعديلات المقترحة بشأن العلم والنشيد الوطنيين تفرق أكثر مما تجمع ولا تعبر بأي حال من الأحوال عن التنوُّع الثقافي والعرقي لبلدنا. وإن إضافة عارضتين حمراوين لعلمنا الوطني تخليدا لعمليات السلب والنهب والنخاسة التي دارت رحاها شمال البلاد، قبل وأثناء الفترة الاستعمارية، لبعيد كل البعد عن تخليد الذاكرة الجمعية لهذا الوطن، ولن ينتج عنها إلا إحياء الكراهية والفرقة بيننا، مع ما يصاحب ذلك من إحياء جراح عميقة قد لا تندمل أبدا ولربما عصفت بوجود الدولة الموريتانية نفسها. احذروا الخطر!

 

"مقاومة"! هل حقا قلتم إنها مقاومة؟

 

إن العلم الملطخ بالأحمر طُرح اليوم - حسب زعمهم - من أجل تخليد بطولات المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي. ولكن أليس من حقنا أن نطرح بعض الأسئلة المشروعة حول تلك الدوافع المعلنة: هل كانت هناك - فعلا - مقاومة بمعانيها وأبعادها الحقيقية؟ عن أي مقاومة نتحدث حقيقة؟ وبماذا نحتفي؟ وبعبارة أوضح: دعونا نتوقف عن السخرية من الآخرين. سيدي صامبا تيام، إن التاريخ الذي يريد البيظان أن نبتلعه اليوم أخطر بكثير من نظام البيظان نفسه! والدافع الحقيقي والعميق وراء دعوتك للحوار هو توريطك وتزكيتك لنسخة جديدة من تاريخ "المقاومة"، مختومة بخاتم شمالي خالص. فقد كان من المتعين عليهم تحييدك - أنت  صاحب الدعوة الانفصالية - كي تخلو الساحة لمهندسي التهميش والإقصاء النهائي لمجموعاتنا العرقية.

 

قرأت مؤخرا مقالا لك تحت عنوان "نظرة بعد الحوار" (regard post-dialogue) وإقرارك بأن نتائج هذا الحوار قد أهملت معظم الأسئلة الأساسية المتعلقة بقضيتنا. ومن الواضح أنك قد اتخذت موقفا من الاستفتاء، وهي خطوة إلى الأمام تحسب لك، لكنها غير كافية في مقابل مسلسل متواصل من الإقصاء المنهجي لمجموعاتنا العرقية. لهذا أقترح عليك - أخي الغالي - أنت وعزيز وكل من يراد له النسيان، تذكيرا موجزا بأهم وقائع المرحلة الاستعمارية، مع بعض المقتطفات من عمل أكاديمي غير مكتمل حول "النزاعات المسلحة في الساحل وغرب الصحراء من 1830 إلى 1960".

 

المقاومة الوطنية والمقومة الشمالية:

 

لقد دخل المستعمر الفرنسي بلادنا عن طريق نهر السنغال، فتلقى مقاومة عفوية قادها أئمة وأمراء من أمثال السلطان الشيخ عمر تال الفوتي والإمام عبدول بوكار كان والإمام ساموري توري والأمير محمد لحبيب والأمير بكار ولد اسويد احمد وغيرهم. وبعد القضاء على هؤلاء المقاومين الحقيقيين الأوائل دشن الفرنسيون مرحلة ثانية أطلقوا عليها الاحتلال السلمي، فاستطاعوا الحصول من فقهاء محليين على فتاوى تدعم هذا التوجه، مقابل فتاوى أخرى "مخزنيه" هدفها الضغط على فرنسا واستغلال القبائل الشمالية. يقول الدكتور سيدي انجاي: "إذا كان من الواضح للفرنسيين أن الشيخ سيديا باب والشيخ سعد بوه قد تحالفا معهم حفاظا على مصالحهما، فإن ماء العينين قد قاومهم حماية لنفسه من سيطرة المستعمر التي تعني بالنسبة له فقدان مكانته كزعيم ديني محترم ومبجل، سيزيد منها ويعززها امتناعه عن التسوية والمهادنة".

[Sidi N’Diaye, Le passé violent et la politique du repentir en Mauritanie 1989-2012. P 102]

تميزت هذه المقاومة - إذا - بصراع نفوذ بين المشيخات الصوفية، لا ناقة لنا فيه ولا جمل، اختزلته الأكاديمية ديزيري فيليمان بقولها: "إن وراء اللعبة السياسية والدبلوماسية الأوربية صراعات نفوذ رهيبة بين الشيخ سيديا، حليف فرنسا، والشيخ ماء العينين، المتحالف مع أعدائهم الألمان والإسبان وسكان بلاد السيبة، حينما قبلت بلاد المخزن والسلطان رسميا بالحماية الفرنسية".

[Désiré-Vuillemin, Contribution à l'histoire de la Mauritanie de 1900 à 1934, éd. Clairafrique, 1962. P 126]

ولا أريد أن أنكر دخول أفراد من أصحاب النية الحسنة في تلك العمليات دفاعا عن وطنهم ومعتقداتهم، وانتقاما من ضباط أو إداريين استعماريين أو بعض الحرس والرماة المتهورين. لكن المحرك الأساسي لتلك المقاومة الشمالية تركز في النهب والسياسة الدولية. يقول الأنثروبولوجي اللامع بيير بونت: "لقد تحولت المقاومة في الصحراء إلى شركة حقيقية تنتهج أسلوب المؤسسات التجارية في الغالب، وتعتمد على نهب الأموال والمواشي والعبيد. وإن استهدفت فِرق الجمَّالة الفرنسية مرة، فإنما لأجل أسلحتها ومؤنها في المقام الأول. وتتشكل تلك الغزوات من مقاتلين ذوي أصول شتى، يتجمعون غالبا حول قائد مؤقت مقدام ومتمرس... لقد غيرت الغزوات من طبيعتها وتحولت تدريجيا إلى شركات يمولها كبار المنمين والتجار عن طريق نظام (لعتيلة)، وهو نظام يوفر للمقاتل المعدم ما يركبه ويتسلح به مقابل نسبة من غنيمته".

[Pierre Bonte, La Politique coloniale française et les Ahl Shaykh Ma al Aynin, https://revistas.uam.es/index.php/reim/article/viewFile/865/853, P 26]

إن ملاحظات هذا المتخصص البارز المعروف بمصداقيته تبرهن - إن احتاج الأمر إلى برهان - على  اللبس الحاصل في أذهان الكثير حول حقيقة المقاومة الشمالية، ينضاف إلى ذلك كثير من الكتابات البرتغالية والإسبانية والإنجليزية والفرنسية التي تتحدث عن عمليات النهب والنخاسة التي كانت آنذاك الدافع الرئيسي لتلك المقاومة. وحسب فقيد الدبلوماسية الموريتانية المرحوم بال محمد المختار وصاحب السعادة اعلي ولد علاف، فإن هذه المسألة أثيرت عدة مرات في جلسات محكمة العدل الدولية الخاصة بنزاع الصحراء الغربية سنة 1975، وذلك بشكل مثير أحيانا لبعض أعضاء الوفدين الموريتاني والمغربي!

وقد نشرت المحكمة بالمناسبة عدة كتب تحتوي على وثائق إسبانية ثمينة ورد في إحداها ما يلي: "إن الناقلين الرئيسيين للعبيد السود هم من سكان آدرار والطرفاية، بقيادة شيخ الساقية الحمراء المسن ماء العينين. ففي كل سنة يغادر هذا الشيخ المشهور، ولمدة ستة أشهر تقريبا، صحراء طرفاية المعزولة القريبة من رأس خوبي، متوجها - في الظاهر - لتقديم هدايا إلى سلطان فاس، بينما يرافق الشيخ نحو مائة رجل يجلبون معهم عشرات الفتيات السود لبيعهن في أسواق فاس وطنجة بسعر مرتفع جدا. ومن المعلوم أن بيع العبيد في المغرب لا يكون شرعيا إلا بترخيص من المخزن".

وتضيف البرقية المؤرخة ب 6-12-1906 ما يلي: "لقيت مجموعة من رجال البيظان رئيس البعثة الهيدروغرافية الفرنسية في الرباط وقالوا له: إن هذه السنة لم تكن سيئة في المغرب، فقد استطعنا أن نبيع في أسواق فاس وطنجة عشرات الفتيات السود أتينا بهن على ظهور الإبل. إلا أن هناك أمرين يثيران قلقنا: 1) تقدم الفرنسيين شمال السنغال نحو تجكجه وآدرار لأنهم سيمنعوننا من قنص العبيد السود وشرائهم، وهذا غير عادل ومن شأنه أن يدمرنا. 2) انعدام الآمن في الطرق المغربية وضعف المخزن بحيث لم يعد قادرا على توفير حرس لمرافقتنا".

[Ma el Aïnin, chef des négriers du Sahara, http://www.icj-cij.org/docket/files/61/9470.pdf ,P 60]

وبنفس المناسبة نشرت المحكمة المذكورة على موقعها الرسمي وثيقة إسبانية يمكن أن قرأ فيها ما يلي: "إن الشيخ ماء العينين الذي كان يعي ضعفه أمام قوة فرنسا انتهج سياسة موازنة ذكية فحافظ على علاقة جيدة بالإسبان، كما حافظ على اتصالاته بسلاطين المغرب تعزيزا لقوته الاقتصادية وشراكته معهم في تجارة العبيد المربحة".

[Les pouvoirs locaux dans la partie occidentale du Sahara, http://www.icj-cij.org/docket/files/61/9467.pdf ,P 275]

وفي السنوات الأخيرة تطرقت المحررة الرئيسة بجريدة Le Point الفرنسية كاترين غوليو لموضوع النخاسة البالغ الخطورة وكيف كانت تتم عملية تهريب العبيد عبر الصحراء فتعرضت في ذلك لحقائق كثيرة طالما تم تجاهلها.  [Catherine Golliau, La Vérité sur l’esclavage, Le Point web du 4 mai 2006, n°1755]

وفي ‘‘Journal of North African Studies’’ نشر جون رايت سلسلة مقالات بعنوان "المغرب آخر أسواق العبيد الكبرى" Morocco: The Last Great Slave Market  فبين أهمية تلك السوق وعلاقتها المباشرة بالنخاسة القادمة من الجنوب.

هذه هي الدوافع الاقتصادية والاجتماعية لمقاومة الشمال. أما دوافعها السياسية فتتلخص في الاستقلال المزدوج للشيخ ماء العينين وعائلته ولأمير وسكان آدرار من طرف المغرب وإسبانيا. ومن قرأ برقيات الإدارة الاستعمارية الإسبانية يرى أن الشيخ الاغظف، وهو شيخ كبير من عائلة الشيخ ماء العينين كان مكلفا بتحريك القبائل الصحراوية وتنظيم غاراتها على موريتانيا والاستخبار حول تجمعاتها وتحركاتها، مقابل أجر شهري يتلقاه من الإدارة الإسبانية. [www.icj-cij.org/docket/files/61/9470.pdf , P 393]

 

عنصرية وثارات وهمجية:

 

ينبغي الإشارة إلى أن مقاومة الشمال تنقسم إلى قسمين: مقاومة أجنبية خاصة بسكان وادي الذهب. ومقاومة أخرى داخلية خاصة بسكان آدرار، تحركها المقاومة الأولى وتهيمن عليها. وقد دار بين الفئتين كثير من التناحر ترجع أسبابه إلى ما كان يدور بينهما قبل دخول المستعمر. وقد أدى هذا الاختلاف إلى التحاق مجموعة من قادة آدرار التقليديين بالمستعمر الفرنسي، مثل ولد اغناه الله وولد ازناكي المعروفين بحسن بلائهما في التصدي لغزوات الرعب القادمة من الصحراء الاسبانية تحت إمرة الملازم كوفلي.

وفي نفس الصدد تميز القائدان ولد كركوب وولد مكية من أولاد عمني، حيث ظل كل منهما يقوم بمهمة الشرطي شمال البلاد إلى جانب غورو وضباطه. وقد استطاعا مرة انتزاع ما يناهز خمسة آلاف (5000) رأس من الإبل وهزيمة أبرز قادة الركيبات". [P. Bonte, L'émirat de l'Adrar. P 28].

فكيف يمكن أن ننسى تكريم أبطال الأمن والتهدئة هؤلاء؟ لقد قامت سلطات الاستقلال بتجديد الرواتب الشهرية التي كان هؤلاء يتقاضونها من الخزينة الفرنسية مقابل خدماتهم. فكان ولد التباخ وولد اخطيرة آخر كوميات آدرار المستفيدين من هذا الامتياز.

[Journal officiel de la RIM, n° 36, 2eme année, le 6 juillet 1960, arrêté n° 10.092 CAB. MILI du 7 juin 1960].

وغير بعيد عن الصراعات المذكورة بين قبائل آدرار وقبائل وادي الذهب يقول مارتين هنري: "بعد إخفاق حملة ابلانشي سنة 1900 قدَّمنا أسلحة من طراز 1874 إلى أولاد بسبع الجنوبيين الذين كان أمير آدرار أحمد ولد المختار قد جردهم من ممتلكاتهم، فكانوا على استعداد للانتقام لبعثتنا التي أساء الأمير معاملتها. وبعد أن خربوا آدرار وقتلوا الأمير أصبحت جماعة أولاد بسبع هذه المحدود عددها مطارَدة من قبل أبناء يحىى بن عثمان ومعهم كنتة آدرار الذين كانوا عَصَبَة لهم، فسحقتهم القبيلتان على شاطئ المحيط الأطلسي، وكان ذلك بداية صراع طويل بين كنتة وأولاد بسبع، وجدنا فيه أنفسنا إلى جانب كنتة ضد حلفائنا الأوائل، الذين كانوا هم أول من صحب فيديرب في حربه ضد الترارزة سنة 1854".

 [MARTIN Henri, 1939, Les tribus du Sahel mauritanien et du Rio de Oro, Bulletin de l'IFAN, 2 (3)]

لقد كانت مقاومة البيظان في عمومها، وكذلك مهادنتهم، عبارة عن شركة لا تفلس من المصالح المادية والثارات الشخصية والقبلية التي لا تخدم إلا أصحابها. فكان أمراء ومشايخ البيظان يتكالبون على المستعمر حتى قبل مجيئه إلى موريتانيا، وكان كل واحد منهم ينقل أخبار الآخر للولاة الفرنسيين المتعاقبين ويتحالف معهم ضد منافسيه.

كما عرفت هذه المقاومة تصرفات بربرية وعنصرية، من أبرزها ما كان سارق الماشية ولد امسيكة (المخلد اليوم ضمن رجال المقاومة!) يقوم به في حق سكان الضفة. ومازال تاجر الماشية با أداما يحكي لنا كيف ذبح ولد امسيك والده المباشر بعد أن تبعه يطلب منه أن يرد إليه بقرته التي سرقها بليل. وكان وجاهة من نفس الطينة وكان لا يرى أحدا من اترارزة أسود أو أبيض إلا قتله في الحين. وهو الذي قام بتقطيع رجلين حيين من نبلاء اترارزة بسكينه، قبل أن ينتقم الله منه وينال نفس المصير. كما قام أحد قادة الركيبات المجندين من قبل إسبانيا بأكل قطعة من كبد حرسي من إديشلي.

 

عارضة حمراء أم عارضة سوداء؟

 

تلكم هي مقاومة الشمال بوجهها الأسود، والتي يريدون اليوم تحويلها إلى بطولات عظيمة وتخليدها بعارضتين حمراوين. فكيف لمجتمع مسلم أن يفتخر بتاريخ غلبت عليه عمليات النخاسة وتهريب البشر، وكان أبرز القائمين عليها من قادة المقاومة. إنها قمة العنصرية والجور!

 

أليس من واجبنا أن نضيف - بدل من ذلك - عارضة سوداء اعترافا بذلك النشاط التجاري الفاضح والرهيب المتمثل في بيع الرجال والنساء، واعتذارا عن حملهم مكبلين على ظهور الإبل ليباعوا لأبعد الناس ؟ إن هذه الدواب البشرية، يا سيدي صمبا اتيام، لم تكن سوى بناتنا وأخواتنا اللائي يحملن دمنا المشترك! لا أحد يستطيع أن يشكك في مصداقية هذه الحقائق التاريخية، ولا أحد يحق له تجاهلها فضلا عن نسيانها. ألا يستحق ضباطنا الشرفاء، الذين تمت تصفيتهم في نهاية القرن العشرين بدم بارد وبدوافع عنصرية وهمجية أن يخلدوا بعارضة سوداء؟ استكمالا لاعتذار ولد الشيخ عبد الله واعتراف عزيز وصلاته في فوتا على ضحايا نظام معاوية العنصري والوحشي؟

 

بدل تخليدهم لمعاناة الزنوج وتضميد جراح النخاسة والعبودية وتكريم شهدائنا المقتولين بدم بارد في ولاتة وإينال والعزلات وانبيكة واجريدة، وفي قواعد عسكرية أخرى، وفي شوارع انواكشوط، وعلى ضفة نهر السنغال، يحاولون اليوم تغطية جرائم ضد الإنسانية توّثقها دول كبرى ومحاكم دولية. والهدف من هذا هو تبييض تاريخ هؤلاء الرُّحّل والتجاوز إلى مرحلة أخرى من إقصاء الأكثرية الساحقة من أبناء موريتانيا!

تعلم جيدا، يا صمبا اتيام، أن الشرائح السوداء تهمشها نخب البيظان ووسائل إعلامهم من كل ما يتعلق بالجهاد، كما تهمشها أيضا من تاريخ المهادنة وتهدئة البلاد، فلا تسمع إلا جهاد الشيخ ماء العينين وحكمة الشيخ سعد بوه والشيخ سيديا.

 

ماذا أيضا عن النشيد الوطني؟

 

أما فيما يتعلق بالنشيد الوطني فإن الفرصة قد أتيحت لإدراج اللغات الوطنية فيه ووضع حد لستين سنة من إقصائها واحتقارها. فلو حصل ذلك لحُق لنا جميعا أن نتفهم قيمته الرمزية والوحدوية. لكن مراجعة النشيد - للأسف الشديد - لم تطرح لسد الخلل وإنصاف المواطنين الزنوج ولغاتهم الملقاة على الهامش.

سيدي صمبا اتيام، صرت شريكا في عملية قذرة تدبرها جماعة شوفينية وجهوية من القوميين العرب، اعتادت الرجوع إلى الوراء وإعادة كتابة التاريخ على طريقتها كلما ضاق بها الحال، وذلك رغم نظرتك بعد الحوار، أكررها ثانية. فحتى لو كانت نيتك حسنة، فإن أحسن حالاتك أن تكون قد وقت في فخ.

 

مطالب مشروعة:

أدعو الجميع للوقوف بكل حزم ضد علم ونشيد يفرقان الأمة ويجسدان العنصرية والظلم والإهانة. كما أدعو كل المثقفين إلى المشاركة في هذا النقاش سعيا إلى ما هو أفضل لوطننا المهدد، وإلى الوحدة والتناغم بين مكوناته ولبناء مستقبله. وأفكر على وجه الخصوص في النشطاء الأفارقة من دعاة التحرر ومكافحة الاسترقاق، كما أقصد المثقفين ومناضلي حقوق الإنسان ورجال السياسة، من أمثال بيرام ولد الداه ونائبه أستاذ الفلسفة اللامع الدكتور إبراهيم وبلال، والدكتور محمد ولد مولود والدكتور لو غورمو...

ولكي تجد كل مكونات الوطن نفسها في العلم والنشيد أدعو بصوت عال وقوي إلى ما يلي:

1) إضافة عارضة سوداء إلى العلم الأخضر والأصفر الحالي تخليدا لضحايا النخاسة واعتذارا عن ممارسات الاسترقاق وتجارة العبيد وضحايا نظام ولد الطايع.

2) أن يتضمن النشيد الوطني - بالموازاة مع اللغة العربية - جميع اللغات الوطنية، وأن يحمل في تلحينه نوتات موسقية خاصة بأفارقة موريتانيا السود.

 

الرابط الأصلي للمقال