إعلان

الفيس بوك

كاريكاتور

صور

البطالة في موريتانيا..مكامن المشكل واستراتيجيات الحل

ثلاثاء, 03/07/2017 - 09:46

 صبحي ودادي

 

البطالة مشكلة معقدة تعاني منها أغلب الاقتصادات وقد ظل نصيب البلدان النامية من هذه المعضلة كبيرا، ويعتبر الشباب الشريحة الأكثر معاناة من مشكل البطالة وخصوصا في موريتانيا وهو ما سنتبينه من خلال المعطيات المتعلقة، ولعل البحث في أسباب البطالة وفي مقاربات حلول مشكلها المستعصي أن يشكل مساهمة في التغلب على أحد أهم المشاكل التي تواجه الشباب الموريتاني وتحد من مدى قدرته على المشاركة في عملية التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لبلده.    

وتعد البطالة أحد المصادر الرئيسية للفقر، ويبلغ معدل انتشار الفقر في موريتانيا 40%  حسب آخر الإحصاءات المتعلقة به (2008م).

وتعرف بأنها "عدم امتهان أية مهنة"، وتُعرف منظمة العمل الدولية البطالة من خلال تعريف العاطل عن العمل، وهو: "كل فرد قادر على العمل، وراغب فيه، وباحث عنه، ويقبله عند مستوى الأجر السائد"..وتقاس البطالة بحساب معدل البطالة، وهو يساوي نسبة الأفراد العاطلين عن العمل إلى قوة العمل المتاحة.

 

مساءلة للأرقام..

تقدر آخر التقارير الرسمية (المسح المرجعي حول التشغيل والقطاع غير المصنف 2012) معدل البطالة ب 10.1% مسجلة انخفاضا مفاجئا عن آخر المعدلات المسجلة (المسح الدولي حول الظروف المعيشية 2008م) حيث بلغ معدل البطالة:%31.

وتمثل نسبة البطالة ممن هم في سن الشباب (20 ـ 30سنة): 17%(حسب المسح الأخير)،  ويعتبر المجتمع الموريتاني مجتمعا فتيا إذ تشكل نسبة الشباب 70% من السكان وفق أرقام التعداد العام للسكان والمساكن (2013).

ويقدر عدد سكان موريتانيا بــــ 3.1 مليون، تقدر قوة العمل المحتملة بــ 52 %منهم، وتصل قوة العمل المحتملة من الشباب أقل من30 سنة إلى 60%، وتمتاز البطالة في موريتانيا بارتفاع نسبة المتعلمين، وهو وجه آخر لاستيطان المشكلة في فئة الشباب.

إن انخفاض معدل البطالة المسجل أخيرا يعتبر انخفاضًا مخادعا والنسبة (%10)[1] تخفي تحتها جملة من الحقائق الأخرى:

اعتمد المسح الأخير تعريفا إحصائيا جديدا للمشتغل والعاطل، وهو ما أدى إلى اعتبار نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل في عداد المشتغلين في القطاع غير المصنف، أي أن هذا التعريف لم يكن تعريفا واقعيا ولا دقيقا للحصول على أرقام البطالة الحقيقية ولا أمينا في المقارنة مع معدلات البطالة المسجلة في المسح الذي تم قبله.

من أجل الحصول على قراءة علمية لخارطة التشغيل والبطالة في البلد كان من المهم إبراز من يشتغلون في مهن لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو أنها أدنى منها، وبأجور متدنية لا تتناسب مع كفاءتهم، ونشك في أن هؤلاء يشكلون نسبة كبيرة من من تم احتسابهم في "نطاق العمالة"، والحقيقة أنهم لا زالوا في "حومة البطالة".

من المفارقات أن انخفاض البطالة في موريتانيا والعالم العربي تم بنقطتين على مدى عقد من الزمن (1997 ـ 2008)، بينما تسجل انخفاضا بعشرين نقطة في موريتانيا في ظرف زمني لا يتعدى ثلاثة أعوام !

من المتعارف عليه اقتصاديا أن نقطة واحدة من النمو يقابلها خفض للبطالة بنقطتين، وتحيل المقارنة بين نسب النمو من 2008 إلى 2012 إلى تذبذب شديد وبلوغ النمو المجمع 3 نقاط فقط!! 

 وتمتاز البطالة في موريتانيا بكونها هيكلية ومزمنة مما يخلق مشكلات اجتماعية كبيرة، وقد أفاد الأطباء في مراكز العلاج النفسي بأن أغلب الحالات المرضية التي تردهم هي لشباب عاطلين عن العمل أو لفتيات يشعرن بتأخر الزواج )العنوسة(.

 

الأسباب:

على المستوى التحليلي المجرد يعتبر انخفاض الطلب على العمالة هو السبب وراء ارتفاع نسب البطالة بسبب نقص الطلب الكلي الفعال والذي يرجع بدوره إلى تراجع مستويات النمو، غير أن موضوعنا سينحو منحى الأسباب المباشرة التي تتعلق بالقضايا الكلية في الموضوع:

إخفاق خطط التنمية الاقتصادية، لاعتبارات متعلقة بفشل السياسات الاقتصادية التي ظلت معتمدة في موريتانيا والبلدان النامية والقائمة على الإصلاح الهيكلي وتحرير التجارة والخصخصة، حيث أدت الوصفات الصعبة في هذه السياسات الليبرالية إلى التخلص من الاقتصاد الاجتماعي دون أن تنجح في خلق اقتصاد سوق حقيقي، بل تم توجيه السياسات الحكومية إلى إنتاج واقع سياسي واقتصادي تتحالف فيه السلطْ السياسية مع المجموعات التجارية بما يتيح تبادل المنافع، وحين تمت مراجعة الخطط التنموية في موريتانيا وتم إنجاز وثيقة مرجعية هامة هي الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر كانت مشكلات التنفيذ وضعف الحكامة والمتابعة والفساد المالي والإداري كافية لجعل النتائج ضئيلة وغير ذات بال.

ومما يعكس صعوبات الإقلاع الاقتصادي على مستوى التخطيط والبرامج ندرة المعلومات وقلة المعطيات الضرورية لتقييم الوضع الاقتصادي والتي تعتبر الخطوة الأولى في سبيل وضع الخطط الاقتصادية المناسبة، فلا توجد معطيات ولا أرقام مثلا عن حجم مساهمة القطاع الخاص في النمو ولا إحصاءات عن توزع أعداد العمالة على القطاعات، ولا عن مستوى نمو قوة العمل، وذلك بسبب ضعف الأجهزة المعنية بالإحصاءات والدراسات.   

عدم كفاءة القطاع الخاص: فقد كان للنشوء المعتسف للقطاع الخاص أثرا بالغا في تشوهه وضعف عصرنته وعدم مؤسسيته، كما أدى فشل القطاع المصرفي في تعبئة المدخرات المحلية إلى انعدام التجدد والتمدد في القطاع الخاص وعدم بروز مستثمرين لهم خصائص المضارب المخاطر والديناميكي، ونأمل أن يسهم إطلاق المصارف الإسلامية الجديدة في توسيع القنوات الادخارية وفي إطلاق الأساليب الحديثة في التمويل؛ أي التحول من وظيفة الإيداع إلى وظيفة الاستثمار كالمشاركة والتأجير التمويلي والاستصناع وغيرها.

ضعف الاستثمار الأجنبي المباشر: رغم كل الهالة الإعلامية حول الاستثمار الأجنبي المباشر إلا أن الحقيقة أن الاستثمارات الأجنبية التي يمكن أن تسهم في خلق فرص عمل جديدة غائبة بفعل دفاتر الشروط التي لا تهتم بتحقيق أهم هدف اقتصادي واجتماعي لهذه الاستثمارات وهو التشغيل، وبفعل تركز هذه الاستثمارات في قطاع الصناعات الاستخراجية وفرع البنوك والفنادق فقط، ولكي نفهم حجم المفارقات الحاصلة وضعف الاستفادة من هذه الاستثمارات يكفي أن نعلم أن حجم العمالة الوطنية المباشرة في شركتي تازيازت وشركة نحاس موريتانيا لا يتجاوز الألف عامل.

ضعف توجيه الاستثمارات: فعزوف القطاع الخاص المحلي والخارجي عن الاستثمار في المجالات الإنتاجية وفي القطاعات المحرضة للتنمية والتي لها قدرة استيعابية كبرى للعمالة كالقطاع الزراعي وقطاع الصناعات التحويلية يعني هدرا لأهم فوائد الاستثمارات وهي التشغيل وخلق القيمة المضافة، ويعود ذلك إلى ضعف توجيه الاستثمارات من طرف القائمين على السياسات الاقتصادية.

ويلاحظ تركيز الاستثمارات على العقارات والقطاع الخدمي الذي يخلق نموه في ظل ضعف نمو القطاعات الإنتاجية اقتصادا مشوها تنمو فيه الأنشطة الاستهلاكية ويزداد غنى الطبقات الطفيلية على حساب الطبقات العاملة المنتجة.

 

 استراتيجيات المعالجة

لقد ظلت سياسات التشغيل التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة ضعيفة الفاعلية بفعل ضعف متابعتها وعدم تجاوز الإنجاز فيها مراحل التبجح الإعلامي والسياسي، كما ظل بعضها أقرب إلى الاستعراض مثل التركيز على "التكوين المهني" الذي نخشى أن يضعف التعليم الأكاديمي في مجالات العلوم الإنسانية والتطبيقية على حد سواء دون أن يساهم مساهمة حقيقية في خلق التوازن المطلوب بين سوق العمل ومخرجات التعليم، وذلك بسبب ضعف هذا التعليم المهني وافتقاره إلى الكفاءات اللازمة وفوضويته الكبيرة.

 ولعل أول المعالجات هي مواجهة الأسباب الهيكلية التي تضعف الاقتصاد الوطني وأول تلك المشكلات تجذر الفساد المالي والإداري، ولن تتم عملية مكافحة الفساد من خلال قرارات فوقية مهما اختلفنا في مصداقيتها، لأن بنية الحكم قائمة على أساس هذا الفساد وتوظف آلياته المختلفة في استمرارها وبقائها، وإنما من خلال عملية شاملة تسعى إلى تحقيق ديموقراطية مكتملة لها سلطات رقابة ومحاسبة حقيقية ومؤسسات قضائية وتشريعية مستقلة وفاعلة، ومن شأن ذلك فضلا عن كونه سيحقق حكامة اقتصادية وتنموية شاملة ستلقي بظلالها على مختلف أوجه الحياة الاقتصادية والسياسية أن يسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل من خلال قضائه على الانحرافات التي تجعل الولوج إلى العمل وإلى الإئتمان حكرا على طبقة قليلة ولوبي مصالح ضيق.    

ثم قيام الدولة بجملة من السياسات والخطط التنموية تشمل زيادة الإنفاق العام في مجال الأشغال العامة وفي مجال الخدمات العمومية كالصحة والتعليم من أجل زيادة الدخل والإنفاق ومن ثم زيادة تشغيل العمالة.

القيام بأدوار الوساطة بين عرض وطلب العمل من خلال مكاتب تشغيل محترفة ومهنية تقوم بإنشاء قاعدة بيانات لطالبي العمل تشمل تخصصاتهم ومهاراتهم، وهي عملية نُقر بأنها محدودة التأثير في ظل شيوع الفساد والمحسوبية وفي ظل ترهل القطاع الخاص ومحدودية أنشطته.   

خلق مناخ أعمال جيد بغية تدعيم وجود قطاع خاص قادر على النهوض بدوره في التنمية الاقتصادية، وذلك من خلال الإجراءات التنظيمية والقانونية التي ترفع الحواجز والعراقيل عن الاستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية، ومن المؤكد أن مدونة الاستثمار الجديدة التي تم اعتمادها (يوليو 2012) تشكل إطارا تشريعيا وتنظيميا جيدا، لكن المشكل الحقيقي هو في ما يلمسه المتابع من تشوهات في التطبيق أخلت بإيجابيات المنطومة القانونية حيث باتت السلطات الضريبية سوطا سياسيا في يد النظام الحالي للمعاقبة والتهديد وضمان الولاء، فضلا عن ضعف استقلال القضاء الضامن الأكبر لسيادة القانون وللعدالة.

وتؤكد وقائع عديدة وجود ممارسات منافية للمنافسة وغياب الشفافية وانتشار الزبونية، وضعف الرقابة الضامنة لسلاسة الإجراءات وسيادة القانون، وعدم المساواة في الفرص أمام الفاعلين في القطاع الخاص خصوصا صغار التجار والمؤسسات الناشئة وقطاع من رجال الأعمال، وهو ما يقتضي وجود إرادة سياسية صارمة تسعى إلى تطهير مناخ الأعمال من كل تلك الممارسات بما يضمن تنفيذ السياسات الحكومية في هذ المجال إذا لم يكن الهدف من تلك السياسات التسويق السياسي والمردود الديماغوجي فقط.

ويستلزم تشجيع الاستثمار تخفيض سعر الفائدة والضرائب من أجل خفض تكاليف الإنتاج، وتوجيه الاستثمارات إلى القطاع الزراعي والصناعي الخفيف من خلال حزمة من التحفيزات والتفضيلات، والعمل على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة القادرة على خلق طبقة وسطى ديناميكية وعصرية شبابية جديدة تملك أفقا فكريا ومهنيا أوسع وأشمل من العوائل التجارية المتكلسة والتي لا يتجاوز نشاطها مجالات التجارة العامة والتوريد للدولة وهو ما أفضى لعلاقات محرمة بين رأس المال والسياسة أفسدت الحياة السياسية والاقتصادية.

 

[1]) لا يشكل المعدل %10 في حقيقته انجازا يتباهى به أحد، فمتوسط معدل البطالة في الإقليم وفي المنطقة العربية يحوم حول هذه النسبة، وكل هذه البلدان تعترف بأن هذه الأرقام تترجم فشلا تنمويا، ومقارنة مع الأرقام العالمية فهو معدل مضاعف لمعدلات البطالة في العالم.